مجلة ثقافية حرة  بإشراف يحيى البطـّاط  صدرت أول مرة في 28/11/2003

 

في الذكرى الثامنة لرحيله

توفي الممثل العالمي أنتوني كوين يوم الأحد 3-6-2001 عن عمر يناهز السادسة والثمانين في أحد مستشفيات مدينة بوسطن الأميركية

 

انتوني كوين

سيرة سينمائية فريدة لنجم أسطوري

احمد ثامر جهاد

قد يكون من الصعب التعرف على شخصية (انتوني كوين) ، النجم السينمائي اللامع ، من دون استيعاب سابق حياته أو ماضي طفولته الشقية ،خاصة للذي يحاول الاهتداء إلى معرفة سر انتقال ذاك الطفل المشرد من عالمه البائس إلى أحضان الإبداع والشهرة. كيف انضوت يا ترى مرارة تلك الطفولة تحت جنح إرادة الممثل الكبير الذي يمنح حضوره الفريد رسوخ شخصياته في ذاكرة الجمهور؟

رسمت خطى كوين الواثقة كنجم سينمائي من العيار الثقيل حيوية فائقة أكدت تنوعها المستمر وسعيها المديد نحو النجاح في ابرز محطات مسيرته الفنية. وفي الوقت عينه، لن يصبح مستحيلا إدراك القوة الذاتية لإرادة الشقاء العنيد حين تشير بوضوح إلى حلم كبير بالتفوق أفسح المجال واسعا أمام الممثل الأسطورة ليغدو بنظر النقاد شخصية متفردة وعميقة عاشت قصة التعاسة كلها وخبرت معنى ان يكون المرء طموحا ، واثقا من قدراته ومستقبله. هكذا يماثل الإصرار الحقيقي على الحياة بين صورتين ؛ أحداهما من الواقع والأخرى من الخيال ، يمكن مجاورتهما حينا: (انتوني كوين) و( دافيد كوبر فيد) بكل ما لسيرتهما الحياتية من دلالة. وعن جدارة استثنائية نال (كوين) استحقاقه المنشود حينما وضع في هرم الشهرة مع أهم عشرة نجوم في تاريخ السينما العالمية .

*******

كان انتوني كوين فخورا بمسيرته التي ابتدأت من ليالي الشظف العائلي في المكسيك حيث ولد لام مكسيكية وأب ايرلندي، وترعرع في مناخ قاس لم يمنحه الرعاية الكافية، فشب مشاكسا عنيدا يصارع الحياة بإرادة صلبة. منذ الثلاثينيات احترف كوين مهنا مختلفة تنقل خلالها من ماسح أحذية إلى بائع جوال فموزع صحف ومن ثم ملاكم غير محترف، إلى ان اكتشفت فيما بعد موهبته في التمثيل عقب توجهه إلى هوليوود وعزمه البقاء فيها . كانت تلك لحظة تحول حاسمة في حياة الشاب المكسيكي الذي وجد السينمائيون في حدة ملامحه وطول قامته أغراء مناسبا لأداء شخصيات محددة تجتذب الجمهور . في عام 1936 تحديدا ظهر (انتوني) في أول أدواره على الشاشة في فيلم( كلمة السر ) وكان دورا ثانويا تعزز بعد مرور سنة واحدة حينما قام بأداء دور البطولة في فيلم(أبطال البراري ) لتأخذ رحلته السينمائية مسارا صاعدا ومتنوعا أجاد خلاله تجسيد شخصيات مختلفة عكست بمجملها قدراته الذاتية وموهبته الفنية في اختياره للأعمال الجيدة والعمل مع مخرجين سينمائيين متميزين ، إلى الدرجة التي بات من الصعب على الجمهور السينمائي نسيان مجموعة كبيرة من اللحظات الممتعة والجميلة قدمتها أشرطة النجم (انتوني كوين) كـ (فيفا زاباتا ،احدب نوتردام ، الممر ، لورنس العرب ، حلم الملوك ، زوربا اليوناني ، الرسالة ، عمر المختار ، اوناسيس .....) .

*****

المتتبع لمسيرة (انتوني كوين) الفنية يلاحظ هوسه الخاص بأداء الشخصيات التاريخية المعروفة لما تملكه من أهمية وتأثير في وجدان الناس، وذلك تحديدا ما استهوى كوين لمدة طويلة، حتى ان نقاد سيرته يرون انه من الممثلين القلائل الذين يعيشون الشخصية في العمل السينمائي بصدق فني وفهم مثابر يستوعب أفعالها وهواجسها الداخلية على نحو قل نظيره. وفي هذا السياق يذكر (انتوني) خلال تجربته مع المخرج مصطفى العقاد في فيلم ( الرسالة ) انه تأثر جدا بشخصية ( الحمزة ) عم النبي ، مع كونها شخصية غريبة عنه ، إلا انها لم تمنحه سبيلا للتخلص من وقعها عليه ،وبدرجة مقاربة بدت له شخصية ( عمر المختار) جذابة وقوية على نحو خاص.

هذا الطراز من الممثلين البارعين الذين يتفانون في عملهم الفني أنما يعبر عن سمات عصر ذهبي للسينما ينتمون إليه، فيه تعلموا كيف يعشقون مهنتهم حد الجنون، ويجدون في ثقافتهم وميولهم الخاصة مبررا يقودهم أحيانا الى التماهي مع الشخصية المؤداة ،ونتذكر هنا ان ممثلا كبيرا كـ (كيرك دوغلاس ) انتهى به الأمر إلى مصحة للعلاج النفسي بعد ادائه لشخصية الفنان فان كوخ في فيلم "شهوة الحياة"والذي أدى فيه (كوين) شخصية (بول غوغان) الصديق المقرب لكوخ. عن هذا الدور يقول ( انتوني) انه كان سعيدا في تأديته هذه الشخصية الكبيرة التي كشفت له الى أي حد كان مولعا بالرسم والنحت في طفولته قبل ان تسرقه السينما.وفي حوار اجري معه لدى زيارته العراق بصحبة المخرج مصطفى العقاد أواخر السبعينيات أشار كوين إلى رغبته في تجسيد بعض الشخصيات المعروفة على الشاشة مثل (همنغواي وبيكاسو وتولستوي) فحياتهم بالنسبة لنا حافلة بالحيوية والمجد والإبداع كما ان الإجادة في إعادة خلقهم سينمائيا تجعل من الممثل فنانا محترفا على مستوى عال. وقد حقق (انتوني) جزء ليس سهلا من تلك الأمنية حينما أدى شخصية (سنتياغو) في رواية (الشيخ والبحر ) لارنست همنغواي في واحد من أجمل أدواره السينمائية في الثمانينيات.

******

 كان في انطفاء حياته عن عمر يناهز الـ (86 ) عاما ، نهاية صارمة لم تترك لبقية احلامه فرصة النجاة من الاندثار الفاجع للموت الذي طوى بسواده الأخير الحياة والأحلام معا. الا ان انتوني استطاع خلال حياته وشهرته ان يحقق الجزء الخاص بعائلته فكان احد أبنائه ممثلا ظهر في احد الأفلام مع الأب (انتوني) في دور سينمائي صغير . أما حياته الخاصة التي عاشها بصدق وحب وانفعال فقد دفعته الى امرأة جميلة تدعى (كاترين سيسيل) أصبحت فيما بعد زوجته الأميركية الأولى، وهي ابنة المخرج الشهير (سيسيل دي ميل) . لكن انتوني المسكون بالحنين عاد ثانية الى ايطاليا البلد الذي أمضى فيه أجمل سني حياته ليتزوج من الايطالية (يولاندا) التي تصغره سنا. وبرغم تقدمه في العمر لم تتوقف أحلام انتوني ولا حديثه عن الطفولة التي يقول فيها:(عشت حياة شقية بائسة ، لكنني من هذا البؤس تعلمت كيف يستطيع الصبي الصغير ان يتحول الى رجل مثابر. وحينما أعود بذاكرتي خمسين عاما الى الوراء ، أجدني فخور بمسيرة ذاك الفتى الشجاع، الذي استطاع ان يقود نفسه عبر الصعاب ويرسم لها مستقبلا واضح بصبره وجلده. ان الطفولة الصعبة البائسة علمتني الكثير ، فانا اعتقد ان الرجل الناجح يخرج من طفولة صعبة ومعذبة وشقية أما الكسول فهو الذي يمضي عبر السهول بعيدا عن تعب الحياة وشقائها .. )

يوما ما أتاحت الحياة للنجم انتوني كوين أن يعود إلى نفسه ليجمع شتات طفولته المؤثرة (الشوق والبراءة والحلم ) فيسردها في كتاب للأطفال اسماه (الخطيئة الأولى) وقد ترجم الى لغات عدة. ثم ألحقه بكتاب آخر تعرض فيه بشكل صريح لسيرته وحمل عنوان (24 ساعة من حياتي) وضع فيه خطى حياته وفنه مرسومة في يوم واحد . وعندما واتته الظروف أكمل (انتوني) دراسته الجامعية وحصل على شهادة أكاديمية في الهندسة المعمارية . فكان ان صمم بنفسه منزله الفاخر في ايطاليا قبل ان ينتقل الى أميركا ، وأصبح بيته لوحة متناغمة من الأشجار والزهور والتماثيل ، أوى المليونير الذي امتزجت في نفسه سيرة الشقاء والتمرد عبر استقامة ذاك الحلم الكبير للفنان السينمائي الأسطورة.

سيصعب حقا استعادة حياة هذا الممثل المبدع او نجوميته الساطعة ، واذ نفكر في ذلك سنرى ان الظل الأعزل لموته دهم كل الصور الجميلة ،وان مشروعا سينمائيا بأكمله أصبح في حلق النهاية .. لكن رواية فنية صاخبة ستبقى لنا هي خلاصة حياته وفنه .