|
لم أستطع حل هذه
المعضلة النظرية المؤسسة على هذه الفكرة حتى التقيت ذات يوم
عالماً فيزياوياً. عرضتها عليه، فتفهمها الرجل قائلاً: ما
صرَّح به العالم البريطاني صحيح، والمعضلات الفكرية التي
اقترحتها صحيحة أيضاً، لكنها قائمة على التصور التقليدي
للزمان. فنحن في العادة نتصوّر الزمان خطاً متواصلاً يتجه من
الماضي إلى المستقبل. وإذا كنا نقبل بالتغير، فذلك لكي نقرنه
بالحاضر وحسب. غير أن الزمان في حقيقته هو التغير نفسه. وهذا
التغير لا يشمل الحاضر وحده، بل يشمل الحاضر والماضي
والمستقبل. فالماضي يتغير أيضاً. وهكذا إذا قررنا العودة إلى
نقطة في الماضي، فإن هذه النقطة تتغير أيضاً، وبالتالي فلن
نعود لتلك النقطة بعينها، بل سنعود في الحقيقة إلى نقطة أخرى
من الماضي. وبالنتيجة فالسفر في الزمان لن يعرضنا لهذه
الاحتمالات النظرية الإشكالية.
يا لروعة
السرد..لم يفكر جلجامش منذ آلاف السنين وهو يطوي صفحات الزمان
باتجاه جده أوتانبشتم (مَن أُوتي الحياة الخالدة) بهذه
المعضلات. لم يفكر بها أودسيوس وهو يهبط إلى العالم السفلي لكي
يعرف ما يدخره المستقبل لمدينته من نبوءات، ويكتشف هناك أن أمه
ماتت، وقد جاءت في موكب الأرواح الذي تجمع حوله. وقد رضي
كلاهما بالعودة إلى مصيره البشري مثل سائر الناس، مدركاً أن
الخلود الحقيقي هو الخلود السردي، خلود الأحاديث والذكر، كما
يقول حاتم الطائي: "ويبقى من المرء الأحاديث والذكر". وفي هذه
الأحاديث، يتاح كل شيء. يتاح للمرء أن يسافر بأخيلته إلى
الماضي أو المستقبل، بشرط أن تكون البطاقة مزدوجة. ففي الرحلة
السردية في الزمان لا توجد رحلة ذهاب وحسب، بل هي دائماً رحلة
ذهاب وعودة خائبة، ولكنها خيبة الانتصار، لا الهزيمة. في حكاية
حاسب كريم الدين من "ألف ليلة وليلة"، يقرر بلوقيا، وقد هام في
حب النبي محمد الذي لم يولد بعد، أن يسافر إلى زمانه في
المستقبل، فيقنعه عفان بسرقة خاتم سليمان الذي تحرسه ملكة
الحيات. وكانت المفاجأة أن عفان احترق، ونصحته ملكة الحيات
بأنه كان من الأولى له أن يأخذ "العشبة التي كل من أكلها لا
يموت"، مع أنها هي نفسها لم تأكل منها. في هذه الرحلة يلتقي
بلوقيا بشخص بنى قبره بيديه وجلس يبكي عليه. وكأنه بهذا يسافر
إلى الموت ويستبقه. ومثلما تتوفر الوسيلة السردية للسفر في
المكان في البساط السحري، أو العصا السحرية، كما في الحكاية
التي يرويها أبو زيد القرشي في مقدمة كتابه "جمهرة أشعار
العرب"، كذلك لا بد من وسيلة سردية للسفر في الزمان، وهي في
العادة وسيلة طقسية أو لنقل تقنية. ولكنها دائماً مشروطة بأن
تكون تذكرة سفر مزدوجة للذهاب والعودة معاً. وفي نهايتها يدرك
المرء استحالة طرح الأسئلة الإشكالية التي ابتدأت بها هذه
المقالة.
عن مجلة دبي
الثقافية العدد 36 |