|
المشكلة الآن هي أن هذه «القوة» الأمريكية بدأت تنتج «فكرها»
الخاص. وهو فكر يتأسس على نظرية الاستباحة، بوصفها مبدأ، وعلى
نظرية التسويغ، بوصفه منهجاً. فللولايات المتحدة الحق في نشر
«رسالتها»، وفي الدفاع عن «أمن» هذه الرسالة، بمختلف الوسائل،
وبينها الحرب، خصوصاً أن هذه الحرب «عادلة» بالضرورة، وفقاً
لهذا الفكر.
الصورة الأكثر وضوحاً لهذه الاستباحة تتمثل في التماهي بين
السياسات الأمريكية والسياسات الإسرائيلية في كل ما يتعلق
بفلسطين، خصوصاً، والبلدان العربية بعامة. ولا حاجة هنا إلى
الدخول في التفاصيل، فالجميع يعرفونها.
(2)
هكذا نرى عملياً أن هذه «القوة» تتعاون بإمكاناتها جميعاً مع
كوارث الفقر والبطالة والمرض والتشرّد لتدمير العالم، أو
للهيمنة عليه، وهو في حالة من الاحتضار.
ولا يتردّد أصحاب هذا الفكر في أن يجدوا لسيدة هذه «القوة»
مختلف الأعذار والمسوّغات لممارسة هذه الاستباحة. غير أنهم لا
يطرحون سؤالاً واحداً، حتى من باب الفضول، حول الأسباب التي
تدفع أفراداً أو جماعات لا «قوة» لهم غير أفكارهم وأجسامهم،
لكي يقوموا بـ «حروبهم» الانتحارية، أو لكي يبشّروا بها، وهم
يعرفون أنهم يموتون من أجل فكرة، أو قضيّة، لا من أجل «هيمنةٍ»
أو «غزوٍ».
ولماذا لا يفكر أصحاب هذا الفكر بالواقع الكوني المريع، وهم
جزء منه ويعلنون حرصهم على سعادة البشر.. هذا الواقع الذي
يقول: في كل دقيقةٍ يموت في العالم سبعة عشر شخصاً من الجوع؟
ولماذا لا يفكرون في أن سيدة هذه «القوة» تهمل المعضلات
الإنسانية الأخرى، معضلات البيئة والتلوث والتصحر والأوبئة
وغيرها، وفي أنها صنعت من الإرهاب واقعاً ألغى سلطة الواقع،
وأحلَّ محلها سلطة القوة، وهذا ممّا أدى إلى أن الحقيقة لم تعد
تكمن في طبيعة الأحداث وأسبابها وظروفها، وإنما أصبحت تنطلق من
بين شفاه الساسة القادة. وهاهو واقع العالم العربيّ: تكاد
سياسة هذه «القوة» تختزله في لفظة واحدة :«الإرهاب»، وألا تنظر
إليه إلا «مسجوناً» تحت سقف الإرهاب.
(3)
هل يمكن بناء أوروبا، دون الولايات المتحدة أو ضدها؟ سؤال
يطرحه بعض المفكرين الأوروبيين من زمنٍ، ويجيبون عنه بالإيجاب.
وثمة وعيٌ عربيٌّ بدأ يطرح السؤال نفسه عربياً: هل يمكن بناء
العالم العربي، دون الولايات المتحدة أو ضدها؟ وبدأ هذا الوعي
يتجرّأ ويجيب هو كذلك: نعم.
ملحق: خواطر في «الرهبة»
(1)
الإرهاب بارد. مع ذلك لا يتدفأ إلا بالبرودة القصوى: الموت .
(2)
الرهبة قنديلٌ سِرّيٌّ في الجسد.
(3) الشارع المُقَفِر إرهابٌ «باطن»، ورهبة «ظاهرة».
(4)
حين يتوقف الجمال عن «إرهاب» الناظر إليه، يكون قد بدأ
بالخمود.
(5) في كل هامشٍ «إرهابٌ» لِلمَتْنِ.
(6)
ما «أرهب» الثّلجَ وهو يمد نفسه غطاءً للزهر.
(7)
في الريح، يجد العطر «إرهابَهُ» و«أمنَهُ».
(8)
الشعر «يُطَمْئِنُ» المخيّلةَ، و«يُرْهب» اللغة.
(9)
الكذبُ «إرهابٌ» للصدق، والجهل «إرهاب» للعلم.
(01)
قل لي ما «إرهابُكَ»، أقل لك ما «رهبتك».
(11)
أعرف الجمالَ الذي لا يعرف أن يُنتجَ إلا «إرهابه» الخاص.
(21)
«رهبة» الطبيعة هي التي تُهيئ «إرهاب» الطبع.
(31)
«الرُّهابُ».. أهو سرير «الإرهاب»؟
عن مجلة دبي الثقافية/ العدد 21
|