|
. القاص "خلف"
لم يخرج من العراق رغم كل المحن والمصاعب المادية التي عاناها.
وحينما التقيته في شارع المتنبي في بغداد، لترتيب هذا الحوار
لمجلة دبي الثقافية، قال لي:" لن أخفي عليك قلقي وخوفي وعدم
استقراري في السنوات الأخيرة من حالة الغموض في بلاد يعمها
الخراب وتسود فيها الحراب، ولكني لا أتخيل نفسي خارج أسوار هذه
المدينة وعالمها.
* لكل كاتب
تجربة في اكتشاف المعرفة الأولى، أي منجم فتح
أمامك
خزائن الخيال وطاقته الخلاقة قبل أن تقرأ لماركيز وبورخس بعقود
من الزمن؟
-
سأبدأ من
نهاية السؤال وأضع في مقابلنه سؤالا يماثله في الصياغة أو
التعريف وصولاً إلى حقيقة خزائن الخيال. وسؤالي يقول، لماذا
نبدأ من ماركيز وبورخس، كانت الصدفة مذهلة عندما أنهيت رواية
المسخ لكافكا، لقد أحدثت فزعاً لا مثيل له في مخيلتي، وعشت
أياماً عديدة تخيلت فيها العشرات من الناس المحيطين بي في أزقة
مدينة "الحرية" أحدى ضواحي بغداد، أنهم مجرد كائنات ستتحول بين
ليلة وأخرى إلى حشرات على غرار ما حدث لغريغور ساما، وأن هذه
الكتلة المتحركة من البشر في السوق أو المدرسة أو المقهى، ستحل
عليهم ساعة التحول المريع، لم نكن نوعز ذلك إلى مقدرة المخيلة
على صنع المستهل التراجيدي واللامعقول إنما كنا نظن ذلك يأتي
نتيجة لعمق الثقافة الشخصية للمؤلف الذي اصطلحنا في حينه
بتسميته بالكاتب، وهي تسمية غير دقيقة إذا ما أردنا توجيهها
نحو أولئك المهرة من صناع السرد الاستثنائي، ولقد كانت تلك
أحدا الخواص العاملة على تطوير وسائلنا المعرفية حين اعتقدنا
أن خلق صورة مضادة للواقع وإفرازاتها هي بالتأكيد نتيجة لسعة
اطلاع المؤلف، لذا فلا مفر من القراءة الكثيفة المستمرة، وكانت
الصورة المكتسبة عبر المعرفة المقروءة تتكدس في الذاكرة مما
جعلها ذاكرة مزدحمة بمئات الصور التي كانت تتطابق نسبياً مع
إفرازات الواقع إلى أن تم التعرف على المنجز السوريالي في
الشعر والرسم، أدركنا أننا ينبغي أن نغادر الهامش نحو البؤرة
الفاعلة على توليد الصورة الخارقة، مزيدا من الصور الصادقة،
تلك كانت مباراة معلنة بوضوح وأحقية على الفوز بها بيني وبين
القاص جمعة اللامي الذي اخترع شخصية "الآنسة: م"، في الوقت
الذي صنعت فيه شخصية الجندي العارية الراكضة في الصحراء باحثة
عنه، تلك بعض الإشارات التي جعلت اليقين بأهمية الخيال
وفائقيته على رسم مسار قصصي يمكن أن يخلد خصوصاً عندما ننمي
مقدرة المخيلة الذاتية لكي تقدم لنا المزيد من الصور الصادمة.
كل هذا، حتما سيخرج من صور الطبقات المسحوقة التي (كنا) ننتمي
إليها في صبانا وشبابنا، صور الجوع والبؤس والاضطهاد اليومي
بشطريه الاجتماعي والسياسي. لقد جاء بورخس وماركيز وفوينتس
وكورتزار ليضعوا اللمسات الأخيرة على المشهد المرعب لكتاب
أمريكا اللاتينية في الوقت الذي كان أبناء عمومتهم من كتاب
وروائيي الوطن العربي ينحتون في الصخور الصلدة مشاهد حية عن ما
يدور في عالمهم، صور ومشاهد لن تمحى أو تنسى أبداً كلها من
صنع المخيلة الرحبة، التي يوعز بها واقع محتدم.
* تعد قصتك المنشورة في مجلة (الآداب) البيروتيه في عام
1969
بعنوان "خوذة لرجل نصف ميت" من أوائل القصص العراقية التي
أشارت بصدق ووعي
نافذ
لقضية المقاومة الفلسطينية، وقد أثنى عليها حينها الناقد محمد
دكروب والشهيد
غسان
كنفاني والراحل حسين مروة والناقد سامي خشبة، كيف استقبلت هذا
الإطراء وأنت في
بداية
مسيرتك الإبداعية؟
- بالتأكيد لا
يمكن كبح جماح اللحظة التي تتجسد فيها نشوة انتصار السرد
القصصي حين يسجل خطة متقدمة إلى أمام بأريحية بالغة الأثر، بل
وأيضاً بتصويت جمعي معرفي يمتاز بالتعالي والسمو، هذه اللحظة
النادرة بالنسبة لي بعد أن ظهرت قصتي "خوذه لرجل نصف ميت"في
الآداب البيروتيه، حيث سجلت هذه القصة إشارة فريدة من نوعها في
حياتي الشخصية، لأنها قدمت لي درساً قوي الدفع نحو المفهومية
التي يحاول البعض طمسها أو التغاضي عن جوهرها، وقد تلخص هذا
الدرس في أن النص الجيد سيجد أمامه من يرحب بت ويستقبله
بالمستوى المطلوب والمنصف حتى لو كان الضجيج في الساحة يتعالى
أو يحركه أصحاب النزعات المضادة للمصداقية، خوذة لرجل نصف ميت،
أعلنت بوضوح عن ولادة جيل أو مرحلة من الكتاب العرب الذين
سيطلق عليهم بقصاصي جيل الستينيات، وعندما كانت "خوذة لرجل نصف
ميت" مجرد قصة مخطوطة بقلم اليد وبالحبر الرخيص، كان الصديق
الشاعر "فوزي كريم" أبرز المتحمسين لدفعها وإرسالها إلى مجلة
الآداب ذات الصيت الذائع بما يمتلكه د. سهيل إدريس من حضور
أدبي قوي بين الأوساط الأدبية والثقافية والسياسية في الوطن
العربي. ولا يخفى عليك أيها الصديق، ما اجتاحني يومها من الفرح
الغامر وأنا أقرأ نص الراحل الكبير د. حسين مروة التي ألقاها
في موسكو عن قصة المقاومة وقد أشاد في محاضرته إلى قصتي بصورة
مطولة وعناية خاصة بأهميتها وتقنيتها الفنية المبتكرة، ثم جاء
دور الناقد المصري سامي خشبة ليزيد من الإطراء والاهتمام
أيضاً، وفي حقيقة الأمر كان عليّ امتلاك ناصيتي لأنني كنت في
السادسة والعشرين من العمر ولم أكن قد نشرت ثلاث قصص قصيرة من
قبل، ثم لما راحت المقالات والإشارات تتوالى سواء في مجلة
الآداب أو الطريق اللبنانية أو مجلة إلف باء العراقية، تطري
وتشيد بالأمكانيه
المتوهجة
الكامنة في القصة، بدأت أدرك خطورة ذلك وأصبح عليّ واجب لا
مهرب منه، هو تقديم الأفضل والأهم، من ذلك الوقت راحت عنايتي
بنصوصي تزداد يوماً أثر يوم وقد رفدت الآداب البيروتيه بعدها
بعدد آخر من القصص القصيرة لا تقل أهمية عن خوذة لرجل نصف ميت،
أهمية واعتبار من بينها "هجرة في وقت متأخر، والمغادرة" ثم
بدأت مرحلة جديدة في كتاباتي القصصية والأدبية، حيث ازدادت
وتيرة العناية والاهتمام بالقراءات وتكثيف الكتابة التأملية
وتسجيل الملاحظات والانطباعات عن الحياة اليومية في العراق وعن
الكتابة والأدب، ولكني يجب التنويه إلى أن نكسة حزيران عام
1967، وحدها كافية على دفع المبدع العربي "شعراً وقصة ولوحة
ومسرح وبقية الفنون" إلى تجسيد تلك اللحظة الخطرة حيث كان مصير
الأمة يسير على حافة الهاوية
* مجموعتك
القصصية الأولى "نزهة في شوارع مهجورة" عام 1974،
والثانية
"منزل العرائس"عام 1978، رصدت حالة العجز لدى الشخصية المحلية
إزاء واقعها
الصعب
المتشابك، هذا العجز الذي أشرنا إليه هو خصوصية أخرى من
خصوصيات القصة
الستينية، كما يذكر الناقد "ياسين النصيّر"، ما تحليلك لهذه
الظاهرة ؟
- من النادر أن
يأتي المؤلف بشخصية أو ظاهرة أو موضوع، يستنبط من العدم، لا شي
يأتي من فراغ، بل دائماً توجد قاعدة مادية هي التي تتكفل خلق
الأشياء أو توليدها بحيث يصبح من اليسير علينا إعادة الشيء في
الحال إلى نصابه فيما إذا ضاع منه النصاب، ولقد توجه أكثر من
ناقد أدبي تعرض إلى نتاجاتي القصصية والروائية بالقول إنني لا
أكتب إلا عن المندحرين والمغيبين والمهمشين والعاجزين عن تأدية
دور بطولي يتسم بالتصدي أو الجبروت وبالحقيقة، هم يريدون من
المؤلف أن يخلق النمط الدونكشوتي أو البطل الإيجابي المتجاوز،
كما يطلق عليه اصطلاحاً بلغة النقد الأدبي، إن نظره متأملة إلى
تاريخ الأمة العربية والعراق خصوصاً، سوف نراه ملي بالعثرات
والانتكاسات قد ملأ صفحاته، ولا ننسى نحن العراقيون كيف عشنا
حربين شاذتين لا معنى لهما، ثم الاضطهاد والتخريس والتكتيم ثم
ما عاناه الفرد العراقي من ازدواجية بشعة شخصها عالم الاجتماع
العراقي الراحل "علي الوردي" بوضوح تام قبل عقود من الزمن، كل
هذا التاريخ المتعب والمدوخ ألم ينعكس على روحية الفرد
العراقي، خذ ما نعيشه الآن من فوضى واستخفاف بالقيم
والاعتبارات والمقدسات، وتعال معي وقدم لي نقطة ضوء لكي نتبصر
بعد هذا الذي يجري الآن بدون رادع هل تراه سينتج ثقافة وأدب
إيجابيين؟ أم ستكون الشخصية السلبية أو الشخصية الفوضوية
وشخصية اللص والقاتل والمزور والمزيف وأبن الحرام هي من أبرز
الشخصيات في أدبنا العراقي القادم؟ ليس "ياسين النصير" وحده من
أشار إلى صورة البطل العاجز عن القيام بدور البطولة الإيجابية
المغيرة للوضع الاجتماعي، بل عدد كبير حاول أن يرسخ فكرة أنني
لا أكتب إلا عن أولئك اللامبالين أو الحالمين المسحوقين بعجلة
المجتمع، بغية إدانة المجتمع من اجل الإدانة كما يعتقد عدد من
النقاد، هنا، في العراق، أنني لا أنكر أبداً مصادر ثقافتي
الأولى حيث انبثق الوعي الفكري والثقافي على مستوى المعرفة
النظرية على قراءات متعددة وكثيرة في الأدب الوجودي الذي كانت
مطابع بيروت والقاهرة أيضاً تضخانه إلينا، حتى إذا جاءت نكسة
حزيران عام 1967، تلمسنا بوضوح كم كنا واهمين بقوتنا الجبارة
وأننا لم نكن العرب الذين دوخوا الليالي، بل مجرد حالمين
وشخصيات تفتقر كثيراً إلى التركيب والتعقيد الضروريين حيث
ينبغي لنا أن نضع العلم والمعرفة والفكر نصب أعيننا، لكننا
اكتفينا على طريقة جميل صدقي الزهاوي ورفاعة طهطاوي بالانبهار
بثقافة الغرب بل أكثر من هذا، كنا سلبيين إزاء الانجاز العلمي
وغير فاعلين على صعيد التحقق والتماثل والتغيير ومن ثم التحول،
أتمنى ألا يكون كلامي هنا مثار غضب البعض من المثقفين
الإيجابيين من نقاد الأدب تحديداً، لأنني حاولت "بتواضع" أن
أشير إلى الخلل الجوهري في الماكنة العامة، ألا ترى لماذا ألجأ
إلى شخوص ذوي سمات خاصة، وحين أقدم شخصية مسالمة أو سلبية أو
سكونية فأن حالة هذه الشخصية لا تتضح إلا من خلال شخصيات نقيضه
لها في السياق السردي، وترى في كل رواية أو قصة كتبتها سوف تجد
شخصيات متناقضة فيما بينها، وبوجودها التصادمي مع بعضها في
النص الواحد أكون قد حققت وحدة النقائض داخل النص أي جدل الفكر
والواقع معاً كما يشير أليه الماركسيون. أنني أحاول شأن
الآخرين العبور إلى الضفة الأخرى من خلال الكتابة التي هي
المطهر الوحيد الذي يستحق كل هذا العناء أو غضب الآخرين حتى
وأن بدا غضباً غير مبرراً، ولكنني لن أجعل من بعض النقدات
الأدبية المضادة لكتاباتي عائقاً لعملي الإبداعي أبداً.
* يبدو أنك
اتخذت من الواقعية وتفاصيلها ومفرداتها أدوات
لمعمارك
القصصي، كيف توصلت، إلى تلك الواقعية، ثم ألم يشدك التجريب
لخوض غمار تجارب
جديدة في
الكتابة تنأى بك عن الواقعية؟
- اكتشف
الحداثويون أن الواقعية هي مجموعة واقعيات متعددة المناحي
والنزعات، أي لا توجد واقعية واحدة تأخذ بنمط واحد يتسم ويتحدد
شرطه الذاتي بنظرية الانعكاس الآلي أو نزعة المحاكاة الأرسطية.
بل توزعت هذه الواقعيات حسب التوجه الشخصي للمؤلف، وراح كل
مبدع من جانبه يبدع ويخلق واقعيته التي تنسجم ورغباته بل
وحساسيته وذائقته التي تدل على هويته كمؤلف يتسم بالبراعة
والفرادة أو لمجرد المغايرة والاختلاف. ولا يخفى لما لهذا
الرأي من أهمية سديدة في انطلاقة الكتّاب، كل كتّاب العالم
الذين راحوا يشكلون تيارات واتجاهات حداثوية كل حسب قناعته
بتوصيلاته الفنية والجمالية، وأظن أن الفوز لا يتحدد "هنا" في
أفق المدرسة الواقعية قد اتسع وأخذ مديات رحبة فحسب، بل أن هذه
الجمهرة من الواقعيات تمكنت من إلغاء بعض المقولات المؤدلجة أو
الأطروحات ذات البعد ألقصائدي الصارم، كنظرية الفن للفن أو
الفن للمجتمع، فقد عملت الواقعيات المتباينة على الاستفادة من
النماذج البشرية كافة، إضافة إلى استثمار المنجز الفني
والجمالي في
الرواية العالمية، دون تحديد قارة أو بلد دون أخر، بذلك غدت
الواقعية كمفهوم واسع وعريض في حالة من العافية والتطور مما
جعل التوجه إليها يأتي رحباً وشفافاً في الاستفادة من معظم
كتّاب العالم ومدارسهم، لقد كان "لورنس داريل" يطمح إلى أن
يخلق بناءاً سيمفونيا عبر رباعيته الإسكندرانية، وأراد كاتب
عظيم مثل "وليم فوكنر" تحطيم وحدة الزمن والتخلص من هيمنه
المدمرة، في الوقت الذي كان فيه "همنغواي" يريد أن يعطي للجسد
الإنساني قيمته واعتباره في مواجهة الحياة، لقد كان في
الخمسينيات من القرن الماضي، تنظر الواقعية الساذجة أو
الواقعية المنحطة إلى هؤلاء الروائيون "داريل، وفوكنر،
وهمنغواي" ككتاب غير واقعيين، بل هم نتاج الفكر البرجوازي
الصغير وكثيراً ما صنف أمثالهم على أساس اليمين واليمين الوسط
في أفضل الأحوال، الآن، اختلفت القضية تماماً، فقد أعتبر
"فرانز كافكا" الذي كان يصنف كاتباً نصف مجنون أو لا معقولاً
وعبثياً، جاء من جعله يقف عند ضفاف الواقعية، وارتقى "سان جون
بيرس" أرقى مكتبات الواقعيون باعتزاز نادر، وبدأت الحداثة
تجاور المدارس الأكاديمية والكلاسيكية بجدارة لا مثيل لها،
وأعطيت المخيلة الإنسانية – وهي هبه ربانية على ابسط تعريف لها
– حقها في التمتع والانفتاح، وأدركنا قيمة الاستعارة والكناية
والمجاز من خلال المزاوجة الأريحية بين المخيلة وبين واقعها
المرير والفوضوي، أنني من الكتاب الذين يؤمنون بدور البيئة
وتأثرها على الوعي البشري وتطوره، ولأن التسليم إلى زحف البيئة
والوراثة أمر يدعو إلى الضحك أن لم يكن إلى الحسرة على الكاتب
الذي يحجم طاقة الخيال على إطلاق طيوره الملونة في سماء ملبدة
بالغيوم، أقول لو ألغينا من المخيلة ولو بنسبة ضئيلة فأننا سوف
نقصر بحق إبداعنا وتطورنا الخلاق، لقد أسلمت قيادي إلى المخيلة
الجانحة خلال كتابتي لمجموعتي "خريف البلدة" التي بدأت بعد
أحداث عام 1991 وانتهت في عام 1995 وهي مع مجموعة "صراخ في
علبة" شكلت لدي انعطافة فنية أغاضت العديد من أصحاب الاستهانة
بالمخيلة والمأخوذين بالواقع كما هو، تلك ألانتباهه التي
قادتني إليها حساسيتي المفرطة تجاه أهمية النص واعتماد المخيلة
في تحديد جمالية السرد ونبرتهـا أعطت ثمارها في ثلاث روايات هي
"موت الأب، وحامل الهوى، ومحنة فينوس" والرواية الأخيرة كتبتها
بعد الاحتلال مباشرة وعلى مدى سنتين.
* طلعت من
بين موجة التجريب الستيني، ما الأسباب التي حالت
دون
سقوطك في الافتعال، والانهماك في اللغة، الذي يحيل النص إلى
طلاسم كما كان
شائعاً
آنذاك؟
- يمكن للانبهار
بالشيء أن يستمر لبعض الوقت، ولكنه لن يدوم طويلاً، وعبارة
"بعض الوقت" هي في جوهرها تبدو غامضة، بل ومطاطة ولا يمكن
الإمساك بها كلية، لكنه بالتأكيد توحي لنا بأن الانبهار
والدهشة بالشيء المكتشف لن تغلف وعي المثقف والكاتب أو المبدع
بصوره أجمالية، أي ما يلبث أن يمتلك زمام وعيه بالشيء المكتشف
ويعي أيضاً أن ثمة مبدعين كبار أو أصبحوا كذلك قد توصلوا إلى
جملة حقائق فنية وجمالية وفكرية باهرة، وعليه وإذا ما أراد أن
يكون مبدعاً مقتدراً وكبيراً ويحوز على رضا واحترام المتلقين
فعليه أن يتبع الطرق الصحيحة للخروج بنتائج مرضيه، لذا، فقد
كان التجريب الفني، سواء في القصة القصيرة أو القصيدة الشعرية،
هو اكتشاف باهر، نحن نجرب وسائل عدة للوصول إلى نتائج مغايرة
ومختلفة وأيضاً مميزة، والحق، لم يكن التجريب الأدبي والفني –
في الفنون والآداب كافة – لم يكن اكتشافاً عراقياً أو خصيصة
امتاز بها مبدعو العراق في الستينيات، بل هي موجة عربية
وعالمية أيضاً، وقد أسهم مبدعو العراق بدورهم في تلك الموجة،
وكنت واحد من الذين شغلهم التجريب القصصي، بل كنا نتبارى فيما
بيننا على ابتداع وابتكار أساليب وأشكال قصصية مثيرة للجدل،
غير أني كنت في أقصى نقطة من تفكيري، أضع أهمية خاصة للمعنى،
أي أن تكون للنص القصصي الذي أنجزه، رسالة يرسلها السارد أو
الراوي مهما اختلفت نبرته أو نكهة اللغة لديه، فكل شي يحدث
داخل النص، هو بفعل اللغة، واللغة وحدها يمكن أن تكون الميدان
الفصل في أية محاولة جادة لخلق قصة عراقية أو عربية متميزة
ومختلفة عن سواها، ثم بعد ذلك كله، اللغة هي الوسيط الذي يحدث
فيه الفهم والاتفاق الجوهريان بين طرفين أثنين، ذلك ما يشير به
علينا مفكر كبير مثل "هانز جورج غادامير" في دراسته عن اللغة
والترجمة من وإلى لغات أخرى، وسوف أركز بعض الشي على معنى
الترجمة هذه، أي أني احمل مجموعة من الأفكار التي يجهل الطرف
الأخر معناها أو مرامها، وعليه، ينبغي لي العثور على وسيله أو
واسطة للقيام بتوصيل أفكاري، فلا أجد أمامي سوى اللغة، ومن حسن
الحظ، أنني أكتب بلغة يفهمها ملايين من البشر الذين يدينون –
مثلي تماماً – بأهمية هذه اللغة، لذا يتحتم عليّ التوفر على
لغة تتسم بالوضوح واكتساب المعنى وأيضاً تنحاز إلى الجمال
والخير والمتعة، لا أن تخضع إلى الصرامة القواعدية والعناد
القاموسي، بل أصبو إلى لغة منفتحة، رحبة، أخوية وإنسانية، تبحث
عن المزيد من الحبور والسرور في النفس بحيث تجعل من النص
خالداً في ذهن
الطرف الثاني
الذي أشار إليه "غادامير" بكل صراحة، نعم، أنني لست وحدي في
هذا الكون المترامي الأطراف، بل أنني أشكل مع القاري طرفي
معادلة تم الإنفاق عليها بيني وبينه سلفاً وبدون أسانيد، بل
مجرد اتفاق "جنتلماني" ينبغي الأخذ به من قبل الطرفين، إذ
يتطلب من الطرف الثاني أن يبذل هو الآخر قليلاً من الجهد
وكثيراً من الصبر والتأمل لكي ينفذ إلى روح النص، لأنني، صراحة
لا أميل إلى قاري كسول يريد قراءة النص خلال ساعة الاستراحة
بعد وجبة المساء، وهو منطرحاً يعد النجوم قبل التوجه إلى قراءة
النص، بل يتطلب ذلك منه اهتماما وعناية خاصتين، لذلك، لم
تستولي عليّ موجة التجريب الفني والأدبي سوءا في ستينيات القرن
الماضي أو في الموجات اللاحقة في التسعينيات. أنني أفهم
التجريب على أنه العودة إلى البدء من جديد، أي أن تجرب الوسائل
الفنية المتاحة أو تلك التي توصلت إليها فيما مضى من أيام،
لهذا، أزعم أن نصوصي تجاوزت تلك العثرات التي شملت العديد من
أبناء جيلي الستيني واستطعت تجاوز موجة الغموض إلى ما يمكن
تسميته الحفاظ على سرية النص فقط.
* في عام
2000 صدرت مجوعتك "تيمور الحزين"، كتب عنها عدد
كبير من
النقاد، ولكن تغلب موضوعة الموت والفقدان عليها، يعاني أبطالها
من حس بغموض
ما
يحيطهم، إنها شخصيات مأزومة، ليس لها القدرة على التفاعل مع
العالم الخارجي، هل
لك أن
تضيء لنا هذه التفصيلة؟
- لعلنا جميعاً
نتذكر عام 2000 وما سبقه من احتدام في الصراع بين العراق
ومجموعة الدول ومن خلال الأمم المتحدة عقوبة اقتصادية كسرت
النفس ومزقت الروح، ذلك لأن تأثير الاقتصاد ليس بالأمر الهين،
أن أيام العوز والجوع والفاقة، وهي أيام صراع لا فكاك منه ولقد
تفننت الحكومة في تلك السنوات من جعل قاعدة "بافلوف" أمراً
ملموساً "جوع كلبك يتبعك". سنرى بوضوح الحالة التي عاناها
الفرد العراقي من انكسار وخضع لمتطلباتها، واشتراطاتها، لذا،
سوف نتلمس دواخل الشخصيات الروائية على نحو أفضل، عندما نضع كل
تلك الانكسارات الروحية في الحسبان. أن مجموعة قصص "تيمور
الحزين" هي ترجمة شبه دقيقة لتك الحالة العسيرة على الهضم، وقد
فرض العسر الخارجي عسراً داخلياً ينحو على غرار الوثيرة
المشتبكة في الحياة اليومية،لذا، خضعت قصص المجموعة إلى وضوح
في العبارة ونوع من الغموض في المرمى البعيد أو الغير المباشر
للمتلقي، غير أن هذا الغموض يمكن لنا إطراءه على اعتبار أنه
غموض محبب، ويغري كثيراً بقراءة النص ثانية لنكتشف في الأخير
أن هذه "الذوات" كانت تتمتع بموقف سياسي وفكري ناضج، وهي ليست
مأزومة دونما سبب، بل لديها المقدرة على تأشير الخطأ من الصواب
بوعي دقيق وموقف شجاع. وحين نتأمل أحد هذه النصوص، مثل "كيد
النساء في دفع البلاء" سنرى المرأة الصارخة الجمال، أي الجارية
جمانة، ترتضي العيش مع الحكيم الفيلسوف العارف بدل الارتماء في
نعيم الملك أو السلطان، وبالطبع، أنها امرأة مثالية هذه
الجمانة التي تغري الملك بتناول التفاحة وتشاركه هي الأخرى
تناول الفاكهة المسمومة ليودعا الحياة معاً، ليس على طريقة
الرومانس كما هي في أفلام القرن العشرين أو بالأصح ما قدمه لنا
القرن العشرين من نتاج فني وثقافي من القرون السابقة له، كما
هو حال شكسبير في روميو وجوليت كدراما صاعقة من حيث النتيجة،
بل على طريقة الواقع الذي لا مفر منه أي احتفاظ الجارية بقدر
معين من الكرامة إزاء حياة مغلولة أن لم تكن فاسدة. وعلى هذا
الأساس خضع الحكيم الفيلسوف إلى نوع من التناغم في الموقف مع
جاريته التي لم تخدعه أو تخونه، فوافق على الموت في القلعة
التي نفي إليها، بل التنازل عن حقه في جاريته التي قام
بتربيتها في داره وأصبحت جزء منه، أن هذا الموقف الأخير هو
موقف المعرفة الشجاع من الجهالة والاضطهاد والظلم، ويمكن لنا
من خلال هذا النص "كيد النساء في دفع البلاء" أن ندرك الموقف
الإنساني الواضح إزاء المرأة خصوصاً إذا أخضعنا القصة إلى
التحليل البنيوي ابتداء من العنوان حتى النتائج الباهرة
والمفاجئة للمتلقي، بل سندرك أن صيغة سؤالك تنطبق على مجموعة
قصص سابقة، وهي "صراخ في علبة" التي هي تعبير عن مرحلة الغموض
الذي ساد في الثمانينيات، في ظروف الحرب العراقية الإيرانية
والتي سميت في حينها "حرب دون معنى" والحرب المنسية، والحرب
المجنونة، كل تلك التسميات تشير إلى جوهر سؤالك في سيادة
موضوعة الموت والفقدان التي عانى منها الفرد العراقي، وانعكست
على شخوص القصص والروايات في تلك المرحلة.
* كيف حفرت
وقائع الحرب في تجربتك الإبداعية كقاص، في الوقت
الذي
كانت الاتجاهات الشكلية والتغريبية هي ما انساق وراءها القاص
العراقي، وهل
كانت
رواية الحرب تتعامل بمصداقية مع الواقع أم كانت تزييف له؟
- ينطوي سؤالك
على شطرين من استفسار حول ماهية الحرب ومديات التأثير المباشر
وغير المباشر في التجربة الشخصية للمبدع. إضافة إلى التحقق من
جوهر قصة الحرب وروايتها. وسأضطر إلى الاختصار لكي نضع اليد
على الشطر الثاني وهو ما عانت منه رواية الحرب أو القصة
القصيرة في وقتها. إذ هذه الظاهرة الأدبية والثقافية ظلت تعاني
من إهمالها بسبب الموقف المسبق منها أولاً، وبسبب تدخل السلطة
الأدبية في العهد السابق وضرورة أن تكون قصة الحرب مباشرة في
صياغتها وذات بعد تعبوي، لذا، فأن العديد من هذه النصوص
السردية افتقدت إلى مصداقية السرد ومقدرته على إقناع المتلقي،
لأن ما رافق هذه النصوص – قصة قصيرة أم رواية – من فوضى لا
معنى لها وقد كتب بها عدد كبير من مدرسي اللغة العربية ومن
المتعلمين والفاشلين وأدعياء الثقافة، حتى أنها استحقت الإهمال
أو النسيان وذلك للاستخفاف الذي صنعه بعض كتابها واستسهال
كتابة قصة قصيرة في أسبوع أو أقل، لكن هذا لم يمنع عدد كبير من
النقاد من تشخيص نماذج متميزة في النصوص السردية أنفة الذكر،
أما تجربتي في الحرب، فلا أظن أنني قادر هنا على تلخيصها لأن
ذلك غبن لها، لأن الحرب يكفيها أن العرب أطلقوا عليها بالكريهة
وهي التي دفعتني لبيع مكتبتي الشخصية والتعيش منها على مدى
أربع سنوات.
* مجموعتك
القصصية "صراخ في علبة" عام 1990، كتب عنها شيخ النقد الأدبي
الراحل "علي جواد الطاهر"، واعتبرت بداية مرحلة جديدة في أدبك
القصصي
والروائي، حدثنا عن ملامح ذاك الجديد؟
- نعم، أشاد
الدكتور "علي جواد الطاهر" بهذه المجموعة وكتب مقالاً مهماً
نشرته مجلة آفاق عربية في أحد أعدادها، لتأتي بعدها مقالات
النقاد تترى لأن شيخ النقد الأدبي في العراق، بادر لاعتبار عدد
من قصص المجموعة قمة في الكتابة القصصية، والمجموعة جاءت بعد
تجربة خاصة ومريرة كانت على مدى سنتين من القيام بعزلة شخصية
عن الوسط الأدبي، خلال ذلك بدأت أولى قصص المجموعة لتشير إلى
اتجاه قصصي جديد سوف يحذو حذوه العديد من قاصي العراق، خصوصاً
الشباب، والقصة الأولى بعنوان "أول الزمان آخر الزمان" وقد
نشرت في العدد الخاص بالقصة القصيرة من مجلة الأقلام الصادرة
عام 1988، وقد تبع هذا النص نصوص أخرى تمت الاستفادة فيها من
أساطير وحكايات شعبية يغلب عليها طابع الابتكار السردي وليست
أساطير وحكايات مدونة، إنما مبتدعة من قبل السارد، وقد واصلت
هذا النهج حتى آخر كتبي وهي رواية "محنة فينوس" والتي ابتدعت
فيها أساطير وحكايات تخصني ومن ابتكاري وأن حافظت على عدد من
أسماء الآلة والأبطال الأسطوريين، إلا أنني لم ألتزم بنص
الأساطير كما جاءت في الكتب الأخرى.
* نراك أبحرت
في أعماق التاريخ والميثولوجيا، ابتدءاً من
مجموعتيك
الأخيرتين "خريف البلدة"عام 1995، و"تيمور الحزين"، ما أسباب
توظيف التراث
في
موضوعات معاصرة؟
- يقول ماركيز
ما معناه "عندما تشتد الرقابة في البلدان الدكتاتورية، فأن
الكتّاب يبتدعون أساليب وخصائص فنية تدفعهم إلى تنويع
أساليبهم، وقد يضطرون إلى استخدام أقنعة ورموز ليوهموا الرقيب
أو يبعدوا تفكيره عن المعنى المراد الوصول إليه"...ليكن هذا
القول لماركيز أو سواه، ليكن لي أو لك، ليس هذا هو المهم، بقدر
ما أنه يجنح إلى الصواب والحقيقة أيضاً، ففي الوقت الذي ازدادت
فيه حدة الرقابة على الكتابات في الصحف والمجلات العراقية،
تعاظم شأن الرقابة في كل شي يحيط بنا، وأنه من المضحك حقاً أن
يدعي أحد ما، خلاف ذلك، فقد اضطر العديد من المبدعين إلى
ابتداع رموز خاصة بهم وأقنعه تعينهم في اشتغالهم السردي، وأنا
احد المبدعين الذين فضلوا البقاء داخل الوطن – قديماً وحديثاً
ومستقبلاً لا أرى غير هذه البقعة الصغيرة من الوطن العربي
المترامي الأطراف، قبلة وهوى لي – وعليه فقد أصبح لزاماً عليّ
العمل بجدية وإخلاص لهذه الصيغة إلا الاستفادة من دراستي
الجامعية حيث كان اهتمامي بالتاريخ القديم والحديث، فقد عاودت
ثانية قراءة ودراسة وتأمل ذلك التراث الهائل، إلى ما أن تقع
عيناك على جزء منه حتى تكتشف ضالتك وما تريد للنص أن يرمي
إليه، خصوصاً وأن الرقابة راحت بعد التسعينيات من القرن
العشرين تشتد وتزداد، لهذا بدأ الاهتمام بالتراث القومي
والوطني، ورحنا نتوغل بكل أريحية وعناية في صفحات تخص الأساطير
أو تراتيل المعابد، أو بعضاً من خلفاء بني العباس أو العهد
الجلائري وزمن هولاكو وتيمورنك ولم ننسى سلاطين بني عثمان،
ناهيك عن رموز العصر الحديث، غير أننا اكتشفنا أمراً في غاية
الأهمية ونحن نجاهد في الوصول إلى صيغة فنية وجمالية تجعل
الأساطير والحكايات تلك مقبولة. وهي أن نجهد أنفسنا في ابتداع
الصور والمشاهد المغايرة التي تجعل من الأسطورة أو الخرافة
والحادثة التاريخية، تابعة للنص الحديث بحيث تنصهر الرموز
التاريخية والأقنعة الأسطورية في السرد الحديث، أي أن يقف
المتلقي على نص غني ومليء بالمعلومة أو المعنى الذي يصب في
أزمنة الإنسان المعاصر.
* عدّ النقاد
روايتك الأخيرة "موت الأب" عام 2002، محطة
متألقة
في منجزك الأدبي ووسام بطولة وهي تؤشر دون غموض أو لبس إلى
النبوءة المحتمة
بسقوط
الدكتاتور ورمزيته، كيف اقتحمت هذه الرواية أسوار الرقابة؟
- لقد عملت في
روايتي "موت الأب" في عام 1995 ولم أنجزها بصيغتها النهائية
إلا بداية عام 2001 وقد اطلع عليها عدد من الأصدقاء في حينه،
ودعني أقول لك الحق، هناك من حذرني من مغبة التمادي في الإعلان
عن عدم الرضا من النظام السياسي السابق إذا ما تورطت بنشر "موت
الأب" وهي تشير إلى هدفها ابتداء من العنوان، وصادف وجود عدد
من أصدقائي في لجان فحص النصوص الروائية، هؤلاء، انتصروا بل
أصروا على طبع ونشر الرواية خصوصاً وأنها تطرح أفكارها المضادة
لكل طغيان ودكتاتورية بصورة غير مباشرة وأن كان السرد ينحو
منحى واقعي مع أنه لم يخلو من ترميزات فنية حتمتها حساسية
السارد، هنا أوهناك من صفحات الرواية. إن الأب الدموي القاسي
والماكر والعنيد، تشير صفات هذا الأب إلى حتمية نهايته مما
جعلها رؤية تنبؤية عن حد تعبير أكثر من ناقد ودارس وقاري لها.
والحق، فأن هذه الرواية التي كتبت بنفس طويل وصبر معروف سيكتب
لها الخلود لو تم توزيعها بصورة جيدة، لا أن يتم حجرها في
مخازن دور الشؤون الثقافية العامة منذ 9/4/2003 وحتى الآن وهي
لم تر النور إلا بما قام بت المؤلف وعدد من أصدقائه الخلص
بشراء كميات منها وإهدائها للمثقفين الجادين من العراقيين
والعرب. ومن الجدير ذكره هنا، إن الرواية على ضيق المساحة التي
حازتها من القراء، قد بلغ عدد الدراسات والمقالات التي باركتها
وشادت بها أكثر من سبعة وعشرين دراسة ومقال حتى اضطر المؤلف
لعمل أرشيف لها.
* لنعرج إلى
الفضاء الروائي العربي، أين تضع الرواية العراقية إلى جانب
شقيقاتها
العربيات، وهل صحيح أن الرواية العراقية تعثرت على صعيد المنجز
الكمي، بسبب غياب
الاستقرار السياسي والاجتماعي الذي هيمن على العراق طوال
تاريخه، أم أن هناك أسباب
أخرى؟
-
ليست
الرواية العراقية وحدها التي تعثرت في طريقها للاستناد إلى
عنصر الكم لفرز النوع في الأخير، بل الرواية العربية عموماً،
ليست ظاهره مؤثرة في المجتمع العربي، وحتى نقول، المجتمع
العربي، علينا أن نحسب حساب الملايين العربية كافة وليس في هذا
البلد أو ذاك فقط، البعض من نقاد الرواية يحصرون نشاطها
ونشاطهم في المنجز الروائي المصري أو اللبناني إلى حد ما، أما
البقية البلدان العربية فأنهم يتحدثون عنها باستحياء وربما
بتردد، وإذا توجب إبداء الرأي النقدي فأننا سنجدهم يلوذون بصيغ
ليست إلا تعاضديه مع هذه الرواية في هذا البلد أو ذاك،
الرواية العربية – مجتمعه – لم تبلغ عن مستوى الكم ما وصلت
إليه الرواية الروسية أو الفرنسية مثلاً. إن المجتمع الزراعي
الخالي من الصناعة والتحديث قد ينتج شعراً ولكنه لا ينتج سرداً
قصصياً وروائياً. لأن هذا السرد يتطلب نوعاً من التدخل
والتعقيد وتكثيف الأزمة، والمجتمع العربي، مجتمع لم يغادر
الزراعة أو النظم الأخلاقية الزراعية إلا في السنوات الأخيرة،
لذا، فالرواية العراقية لا تختلف عن الرواية العربية في عموم
بلداننا إلا ببعض الجوانب، وبالطبع، فأن عامل الفوضى وعدم
الاستقرار وحقبة الانقلابات العسكرية في ستينيات القرن العشرين
وسبعينياته جعل من الصعب خلق قاعدة فكرية وفنية لتأسيس الرواية
العراقية. غير أن السنوات الأخيرة شهدت وسوف تشهد تطوراً
ملحوظاً، إضافة إلى بروز أسماء عراقية على صعيد الرواية
الحديثة سيغير الكثير من الإجابات على الأسئلة العضوية التي
تخص عالم الرواية العراقية.
* من هم
برأيك الروائيين العرب الذي أمسكوا بصولجان الرواية، وهل يوجد
من بينهم
روائي
عراقي؟
-
تثير
لدي عبارة، صولجان الرواية، مشاعر شتى قد لا ينتسب أغلبها إلى
عالم الرواية بل إلى أخلاقيات الفرسان في القرن السابع عشر
والثامن عشر في أوربا، وعلى العموم، الرواية لا تملك صولجاناً
بل تستند إلى تراث أو ينبغي لها أن تعالج أخطائها من خلال
المغامرة في ركوب قارب البحث الدائم عن صياغات متطورة وحديثة،
وهناك لاعبون ماهرون وأسطوات أفذاذ في الكتابة الروائية في
الوطن العربي. أنا لا أنكر حبي واهتمامي بتراث "محمد ديب،
ومالك حداد" الجزائريان مثلاً. ولكنهما لم يتجاوزا "نجيب
محفوظ" على سبيل المثال، كما أرى بالروائي العراقي "فؤاد
التكرلي" أنموذجاً متقدماً ومثابراً من أجل بلوغ الرواية
العربية وليس العراقية فحسب مصاف الرواية الحديثة، فأنني حريص
على قراءة "حيدر حيدر، وبهاء طاهر، وطاهر وطار، وجبرا إبراهيم
جبرا، وعبد الرحمن الربيعي، ووليد خلاصي" وغيرهم، وبالطبع ليس
هؤلاء هم وحدهم من تستند إليهم الرواية العربية أو العراقية،
بل هناك العديد من الأسماء التي قد ترتفع إلى مرتبات متقدمة
وأخرى عليا في السرد الروائي العربي. ولو أردت الحديث عن أولئك
الذين تأثرت بهم أو أحرص على قراءتهم باستمرار سوف يقف
"دستيوفسكي" في المقدمة بالطبع، وكافكا، وفوكنر الذي أجده
الصوت الحديث في الرواية العالمية، وهناك أسماء أخرى كأندرية
مالرو وسارتر في الرواية، أما العرب فأنني مولع بـ "نجيب
محفوظ" ولم أستطع تفضيل روائي عربي عليه وأعتبره ظاهرة أدبية
وروائية لن يستطيع الزمن تجاوزها إلا بعد قرون طويلة، فهذا
العبقري يمكن لنا الاستفادة حتى من سلوكه اليومي درس في
الكتابة.
مؤلفات
القاص أحمد خلف
- نزهة في
شوارع مهجورة مجموعة قصصية.1974
- منزل
العرائس مجموعة
قصصية.1978
- الخراب
الجميل رواية. 1980
- القادم
البعيد مجموعة قصصية
1985
- الحد
الفاصل مجموعة
قصصية. 1986
- دراسات في
القصة والرواية
- صراخ في
علبة مجموعة قصصية. 1990
- خريف
البلدة مجموعة
قصصية. 1995
- تيمور
الحزين مجموعة قصصية.
2000
- بوابة
بغداد مجموعة
قصصية 2001
- موت الأب
رواية 2002
|