قصة

 

 

 

لو يمهلني الملاك  

علاء شاكر

 

 حينما ظهر بهيبة وحمل روحي بين كفيه ، خفف لحظتها حنقي على قاتلي   وبما أن وقته ضيق، كنت لا احمل عليه أية ضغينة وهو يستعجلني للصعود، ولكني أردت بقوة أن يمهلني لأرتب جسدي قليلا ، ارفعه عن قارعة الطريق ،أو أذب عنه كلابا سائبة، أو يتركني اركض إلى  بيتي اطرق بابه، من يطرقه عني؟ تفتحه صغراهم بظفائرها السود  الطفولية ، ستجن زوجتي حين تسمع الخبر... أرعبتني الفكرة فانا لا احتمل  رؤيتها وأولادي يصرخون. بعد لحظات تسلم  دورية الشرطة جثتي إلى الطب العدلي، ما أقسى أن أرمى وسط الجثث وقد تيبس عليها الدم ،في ثلاجة الموتى المتخمة برائحة الأجساد المتفسخة لانقطاع الكهرباء  ،سأكون محشورا بين أجساد متخشبة تضغط جسدي الذي ما زال يمتلك طراوة الدم الساخن .ستمتد يد احدهم إلى جيبي وتفرغ ما فيه ،نقالي، نقودي، ولا تبقى إلا هويتي محفوظة في جرار صدئ  .

ها أنا انتقل من عالم الأحياء إلى عالم الأرواح أخيرا ، روحي مثل فراشة يقبض عليها بجناحيه الملاك ويأخذني سريعا  بسهولة عبر المعبر الطويل الذي اجتازته أرواح الميتين قبلي وسط حقل من ضوء ابيض وشفاف وان إحساسي بالمتعة بالغ لا يتصوره احد، كأني اسبح على الغيم برخاوة وسعادة . اختفى بيتي الصغير الدافئ ،البيت الذي اسكنه، جنة الدنيا، أوراقي ظلت مصفوفة وقلمي مفتوح الغطاء . كنت دونت أفكار عن  قصتي الجديدة عنوانها ـــ الموت ضحكا ـــ أستاذ في جامعة الفنون يدرس مادة الرسم ، تقع في حبه تلميذته ،جعلتها متحررة وجسورة وشبقة ، أحطته بمجموعة أغبياء وجملة أشياء تحصل تلتقي كلها لتدفعه إلى الخارج ،كتبت فقرة أعجبتني /وجد نفسه مثل سهم مشدود على الوتر، القدر وحده من يفلت يده لينطلق هو سابحا في الفضاء الرحب / جعلته يحصل على بعثة إلى ايطاليا،فنان دائخ بالجمال والحياة ، فكرت بكثير من الأشياء التي تجعله يجد نفسه ولكني شيء واحد لا أستطيع أن ارسمه له ،السعادة .)

لا اعرف إن كنت أساق إلى الجنة أم إلى النار، فلم يتبادر إلى ذهني وأنا في غمرة الإحساس بارتفاعي أن اسأله عن وجهتي، كل شيء تضاءل حتى غدت الأرض مثل حبة ذرة ، اختفى كل شيء وسط نور ابيض وإحساس باللذة ربما تشبه لذة الجنس أو النوم ،ولا اعرف إن كنت سعيدا أو حزينا، خليط من المشاعر انتابتني وأنا بصحبة الملك،  غير خائف منه . ولكن كل ذاك عكرته فكرة عودتي إلى جسدي، الموت يحيي ما مات من الذاكرة .اذكر في خطبة الجمعة عن سؤال القبر إذ قال الشيخ :  الروح تعود إلى جسد الميت عندما يقبر .

 ثقب رأسي بطلقة واحدة اذكر إنها استقرت عند حاجبي الأيسر .لم أر السافل الذي قتلني ،الظلام والمفاجأة شغلاني عن رؤية وجهه.ماذا لو لم اخرج ليلتها؟لحظة طائشة دفعتني للخروج،لا اذكر السبب ولكني أنسقت إلى حتفي،هكذا تحصل الأشياء حين يعاكسك الحظ ،ولان الموت مثلا في كل مكان ،شيئ ما يدعوك لان تخرج ،الصدفة . صغيرتي تمسكت بي: بابا لا تخرج  الدنيا ليل !  لا تخافي سأعود .تنتظرني هي الآن لأطرق الباب ، بكيت من دون شعور بالدموع  تبلل جفوني .لماذا قتلني؟ لم أكن وحدي أسال ، السؤال المرير تردده أفواه الواقفين، لماذا قتل؟ إنهم يرون موتي  ولكن لا احد منهم يشعر مثلي ــــــ لا احد يعيش موته الشخصي وإنما يعيش موت الآخرين ـــ يحضرون مأتمي في دار العزاء (الحسينية)، اسمي منقوش ببياض عريض على اللافتة السوداء ،كل يوم يتعمد السائق أن ينزلني أمامها مثبتة على الجدار ،سنقرأ اسمك يوما عليها،يقولها بضحك ،كل شيء سيمر طبيعيا، مثلما وأنا موجود.(ما أظل هيج )كلمة مكتوبة على شاهدة القبر قرأتها مرة وأنا أسعى بين القبور .سيحضر قارئ الموتى ويزعجني بصوته ،البقال الذي اشتريت منه الملح أيضا حضر،يا للغرابة، ترى ماذا يقول الآن عن .......  ؟  

وقفت السيارة عني بعشر خطوات ،انفتح الباب بجانب السائق،وكنت في لحظة من الذهول حد إن أعضائي تجمدت ووقف كل نبض داخل جسدي .من يقيس زمن تلك اللحظة ؟ قدم على الرصيف والأخرى على إسفلت الشارع ،كانت المسافة قريبة والفوهة بمستوى نظري تماما منحرفة يسارا عن مقدمة وجهي ـــــــ ليس من اليسير على الفرد ترويض نفسه على الموت ــــــــــ مرات أتخيل ميتتي قبل النوم وأنا أضع راسي على الوسادة،أموت آلاف المرات وكل مرة أتخيل الذين اعرفهم ،أرسم لكل واحد منهم  طريقة حزنه،وأنسى وأنا بغمرة الخيال نفسي وابكي ، ولكن في الموت يختلف الأمر، تفقد صلتك بالحياة وينعتق الأحياء منك.

كنت وحدي أسير وفي راسي ارسم احتمالات نهاية قصتي ،لا اعرف بعد إن كان سيذهب بطل قصتي إلى ايطاليا أم لا ،من الصعب أن اتركه عالق هنا ،سأضع قدمه على سلم الطائرة المغادرة وحده ،ولن يرجــ  ......الاحتمالات صمتت مع خطواتي التي انقطعت، انفتح الباب بجانب السائق،وكنت في لحظة من الذهول حد إن أعضائي تجمدت ووقف كل نبض داخل جسدي ، قدم على الرصيف والأخرى على إسفلت الشارع ،كانت المسافة قريبة والفوهة بمستوى نظري تماما منحرفة يسارا عن مقدمة وجهي، الظلام  يخفي وجه قاتلي، وثقب صغير مدمي أحسسته استقر عند حاجبي الأيسر،كل شيء مر بسرعة خاطفة ،انكشف نور ابيض ملأ المكان ورأيتني  بهيئة وشعور جديدين قد لا يتصورهما احد، كم هو جميل وأنا بصحبة الملاك .