|
ففي
الصراع من أجل الإبقاء على شفراتها الروحيّة هذه يحتال وجدان الأمّة
الأهلية باستعارة الأقنعة، لدسّ تجربته الدينية الأصلية في ثنايا
السلطة الدينية المهيمنة صوناً لهذا الكنز من تنّين النسيان. فضمن هذه
التقاليد ذات الهويّة الدينيّة المغتربة نجد عادة المغالاة في مراسم
إكبار الأغيار في مجتمع أهليّ كمجتمع الطوارق، وهو تقليد توارثته هذه
القبائل منذ أقدم الأجيال حتّى غدا طقساً اجتماعياً مسلّماً لم يكن
ليستثير اهتمام أحد لو لم يلجأ القوم لسنّ ناموس آخر يصلح أن يكون
مفتاحاً لفكّ طلسم الطقس الأوّل الذي استوجب أن تشمل مراسم الإكبار
الاستثنائية الخلق جميعاً (نساءً ورجالاً، كباراً وصغاراً) باستثناء
وحيد تمثّل في سليل الخال ذكراً كان أم أنثى، أو سليل العمّة ذكراً كان
أم أنثى!
-2-
قبل استجواب سرّ هذين السّليلين يحسن بنا أن نستفهم عن
طبيعة الإكبار الذي تحوّل في ممارسات هذه القبيلة البدْئية طقساً
رديفاً للشعيرة الدينيّة فهو لم يعد مجرّد مراسم احترام تحمي رباط
الجماعة من الخلل أو الانفراط كما هو الحال في أيّ مجتمع آخر، ولكنه
عمل مجبول بروح التحريم. أي أن الإخلال به ليس عملاً يرتقي إلى مستوى
الجرم فحسب، ولكنه ضرب من خطيئة. أي أنه جرم ديني. لأن الجرم الديني
(الخطيئة) فقط لا يُغتفر في عرف القبيلة.
وهو ما يعني أن الإهانة الموجّهة للآخر هي زلل أخلاقي
يهدّد كيان القبيلة كلّها حتّى لو كانت هذه الإهانة إساءة عابرة، أو
سهواً نجم عن سوء فهم.
وهو لهذا السبب كفيل بأن يجلّل صاحب الفعل بالعار إلى
الأبد كبصمة لاأخلاقية تتوارثها السلالة جيلاً عن جيل كأنها علامة
قابيل! فهل مراسم الإكبار هذه مجرّد قناع ضروري لإخفاء نوايا الإنسان
الشريرة التي يبيّتها ضد أخيه الإنسان التي يتحدّث عنها علم النفس
بلسان سيغموند فرويد؟
فالمبالغة في الإكبار، والفزع من ارتكاب أصغر الأخطاء
التي من شأنها أن تصيب الآخر بجراح، والتحفّظ الشديد في استخدام عضلة
لئيمة وخَؤونة كاللسان في حضرة الأغيار، وكذلك المجاهدة في ضبط النفس
عند تلقّي الإهانة، كلّ هذه حِيَل ضرورية لا لكبح جنون الغضبة وحسب،
ولكنها تدابير صارمة لمنع الشهوة إلى البطش من الإفلات من قمقمها
المستبطن في قيعان اللاوعي. وهي ليست طبيعة ورثتها سليقة الإنسان من
مراحل الحياة الهمجيّة كما قد يبدو، ولكنّها كثيراً ما تكون رغبة
مقموعة للبطش بالذّات قبل أن تكون نيّة مبيّتة ضد الآخر، لأن العدوان
ما هو إلا شهوة إلى الموت بوصفه دعوة لاستفزاز الآخر لنيل القصاص على
يديه هو بدل أن يكون القصاص مقابل هبة مجّانية كالحياة بيدنا نحن من
خلال ما اصطلح على تسميته في معاجم اللغات بالانتحار. لأن الرغبة
الخفيّة في أن نموت هي هاجس يهدهده كل مخلوق إنساني بعيداً في لاوعيه،
ويتعمّد كلّ منّا أن يبقيه مشروعاً مؤجّلاً طوال رحلة حياته، ربّما
ليقين كلّ منّا بأنه الفعل الوحيد الذي نستطيع أن نبقيه مشروعاً
مؤجّلاً لأننا نستطيع أن ننجزه في أيّة لحظة نشاء فيما إذا أعجزتنا
الحيلة في أن يفعله بنا الأغيار نيابة عنّا!
-3-
ولكن لماذا استثنى ناموس الأجيال سلالة الخال، أو سلالة
العمّة بالذّات من سلطان التحريم؟ لماذا أباح العرف استنزال فنون
الغيظ، بل وضروب الخطيئة، على رأس هذين القريبين من دون الخلق جميعاً
كأنّ الناموس يريد أن يفكّ أسر أيدينا مع الأغيار ليدفع إلى أيدينا
كبشي الفداء هذين تعويضاً عن غلّنا المكبوت وتنفيساً لغيظنا الموروث؟
للإجابة عن هذين السؤالين لا بّد أن ننبّه إلى أن مجتمع
الطوارق مجتمع أموميّ مثله في ذلك مثل مجتمع مصر القديمة وكذلك مجتمع
العبرانيين. ولكن ماذا يعني أن يعتنق المجتمع نظاماً أمومياً؟ سرّ
المجتمع الأمومي، في يقيني، ليس في نظامه السياسي الذي يرث فيه ابن
الأخت صولجان السلطة بدل الابن، وهو أيضاً ليس في كيانه الاجتماعي الذي
تلعب فيه المرأة دور الريادة، ولكن سرّ المجتمع الأمومي يكمن في النظام
السلالي.
ما معنى النظام السلالي؟ النظام السلالي يعني أن حقيقته
إنما تكمن في الأرومة. تلك الأرومة الدينية البدْئيّة التي كانت تبيح
قران الابن بأخته كما في مجتمع مصر القديمة ومجتمع الطوارق، وكل
مجتمعات العالم البدْئيّ كما تؤكد أيضاً أسفار العهد القديم.
ولكن من هو ابن الأخت بالنسبة إلى أمّه وإلى أبيه؟
لابن الأخت ينقلب الأب خالاً، وتنقلب الأمّ عمّة. ماذا
يمكن أن تعني هذه الأحجية؟
هذه الأحجية تعني أن السليل هنا هو في الواقع ليس سوى
سليل خال، كما أنه ليس سوى سليل عمّة! ولكن أليس هذا لغزاً آخر؟
بلى. هو لغز لن يفكّ لنا طلسمانه إلاّ علم النفس مرّة
أخرى. ذلك أن السليل الذي أباح ناموس القبيلة التنكيل به ككبش فداء
بديل عن الأغيار ليس مخلوقاً آخر غير الذّات نفسها. فعندما يقترن الرجل
بأخته فإن الوليد هو ابن عمة لنفسه، كما أنه ابن خال لنفسه أيضاً. وهو
ما يعني أن الرسالة المشفّرة تريد أن تقول إن الإنسان لا يملك الحقّ أن
يمدّ يداً ليهلك الآخر، ليهلك هابيلًَ، ولكنه يملك الحقّ أن يروي ظمأه
إلى العدوان بتوجيه البطش إلى نحره!
والمثير في الأمر أن الطوارق يطلقون على هذا القربان
(المتمثّل في سليل الخال أو العمّة) اسم «أباباه» الذي تعني ترجمته
«روح الروح». كأنّ العقل البدْئي يريد أن ينقل لنا وصيّة تحرّم علينا
أن نختار للأغيار مصير الحريّة (المتمثّل في الموت)، ولكنها تجيز لنا،
بل تأمرنا، أن نختار هذا الخيار (خيار الحريّة) لأنفسنا!
روح العدوان هذه قد تسمّى في لغة علم النفس إسقاطاً،
ولكنّها كاستجابة لنداء الأبدية شفرة تسمّى بلسان الباطن لذّة الموت!
|
عن دبي الثقافية/ العدد 36 |
|