مجلة ثقافية حرة  بإشراف يحيى البطـّاط  صدرت أول مرة في 28/11/2003


أيها الموت لقد خسرت هذه المرة! 

بقلم: يحيى البطاط

 

ماذا أخذ الموت من محمود درويش؟

وماذا خسر محمود درويش برحيله إلى عالم الغيب؟

هل أتجرأ وأقول: لا شيء؟..

نعم لم يأخذ الموت شيئاً من درويش، ولم يخسر درويش شيئاً بالمقابل، بل ربما فاز بالكثير.

طيلة عمره الشعري الفسيح، البالغ 48 عاماً، والذي توجه بأكثر من 20 كتاباً شعرياً، ابتداء بديوانه الأول عصافير بلا أجنحة 1960 وانتهاء بكتابه الشعري الأخير الذي صدر هذا العام بعنوان أثر الفراشة، استطاع درويش أن يقوض سلطة الموت، ويشل قدرته على تغييبه.

كان درويش في ترويضه لفعل الموت، يمارس فعل الحياة في أكثر صورها بهاء ورقياً. بالشعر وحده استطاع تحقيق معادلة خلوده الشعري ليدرج اسمه في قافلة الخالدين التي ضمت امرئ القيس وعنترة والمتنبي وأبي تمام، وأبي نؤاس والبحتري، وشوقي والجواهري والسياب ونزار وعشرات أخرى قليلة، أدهشت وأبدعت شعراً وفناً.

كتب في أيامه الأخيره وكأنه يحادث الموت رجلاً لرجل:

"الوقت طار، ولم أطر معه...

توقَّفْ ـ قلتُ ـ لم أكمل عشائي بعد،

لم أشرب دوائي كله، لم أكتب السطر الأخير من الوصية، لم أسدد أيَّ دين للحياة..."

ولكن من يعبأ بالحياة لوحدها، ومن يحترمها، ومن يمنحها المجد سوى الموت.

أليس الموت شقيق الحياة الأكبر، والأكثر منها طولاً وعرضاً، وعمقاً.

ألم يكن هو المحرض الأكثر لجاجة، من أجل أن يبتكر ساكنو الحياة أجمل الطرق، وأعمقها، وأبهاها، للوصول إليه.

"تحيا الحياة ـ هتفتُ حين وجدتها عفوية فطرية، تلهو وتضحك للهواء. تحبنا ونحبها...

وتكون قاسية وناعمة، وسيدة وجارية...

ولا تبكي على أحد.

فلا وقت لديها.

تدفن الموتى على عجل، وترقص مثل غانية وتنقص ثم تكتمل."

 

***

التكرار حارسنا من الجنون.

بالتكرار يمضغ سرب واحد من النمل غابة بأسرها، وبفعل التكرار نستمرئ حقيقة ظهورنا، ووهم اختفائنا بغتة.

يتكرر الوهم الذي أدمنته أرواحنا التائهة في هذا الكون الغامض.

الشعراء، يدركون أسرار هذه اللعبة الخطرة والفادحة، يدركونها تارة بما ورثوه من مفاتيح تتيح لهم الولوج إلى الجواهر، وتارة بالخبرة التي نحتتها أنفاسهم المرهفة بإزميل الزمن والتجارب.

"وعند الفجر أيقظني
نداء الحارس الليلي من حلمي ومن لغتي:
ستحيا ميتة ًأخرى
فعدِّلْ في وصيتك الأخيرة
قد تأجَّلَ موعدُ الإعدام ثانية
سألتُ إلى متى؟
قال انتظرْ لتموتَ أكثر
قلت: لا أشياء أملكُها لتملكني."

شعرياً، أدرك درويش حافة هذه الهاوية، ومخاطرها، هاوية التكرار التي لا خلاص منها إلا بالموت. لذا فإنه عاش في دواوينه حيوات غير متكررة، لقد حافظ على صوته، لكن نبرته كانت تتغير باستمرار، ووعيه كان يسمو من قصيدة إلى أخرى، وأجنحته كانت تخفق بطريقة مختلفة من ديوان إلى آخر، حتى كاد يلامس في قصائده الأخيرة تخوم الفلسفة.

إن قراءة سريعة في عناوين كتبه تلمح لنا هذا النزوع القوي لكسر الرتابة والتكرار في سفره الشعري المدهش: أوراق الزيتون، عاشق من فلسطين، آخر الليل، مطر ناعم فى خريف بعيد، يوميات الحزن العادى، يوميات جرح فلسطينى، حبيبتى تنهض من نومها، المحاولة رقم 7، أحبك أو لا أحبك، مديح الظل العالى، هى أغنية ... هى أغنية، لا تعتذر عما فعلت، أعراس، العصافير تموت فى الجليل، عابرون في كلام عابر، تلك صوتها وهذا انتحار العاشق، حصار لمدائح البحر، ذاكرة للنسيان، وداعاً أيتها الحرب وداعا أيها السلم، فى حضرة الغياب، لماذا تركت الحصان وحيداً، وأخيراً أثر الفراشة الذي صدر قبل أشهر قليلة.

وبسبب هذا كان درويش حريصاً على أن يفلت من قبضة نقاده وقرائه في كل مرة، لأنه كان يكره أن يكرر صوته الشعري أمامهم:

فهاجمهم شعراً:

يغتالني النقاد أحياناً

يريدون القصيدة ذاتها

والاستعارة ذاتها

فإذا مشيت على طريق جانبي شارداً

قالوا لقد خان الطريق

وإن عثرت على بلاغة عشبة

قالوا: تخلى عن عناد السنديان

وإن رأيت الورد أصفر في الربيع

تساءلوا: أين الدم الوطني في أوراقه؟

وإذا كتبت: هي الفراشة أختي الصغرى على باب الحديقة

حركوا المعنى بملعقة الحساء

....

يغتالني النقاد أحياناً

وأنجو من قراءتهم

وأشكرهم على سوء التفاهم

ثم أبحث عن قصيدتي الجديدة.

***

ارتبط اسم محمود درويش، بفلسطين، وقضيتها، حتى يصعب الفصل بينهما، بين الشاعر والوطن السليب، وبين الشعر وهمومه السياسية والوطنية.

لقد حقق هذا الارتباط العميق، المدعوم بموهبة نادرة، وقدرة فذة على التقاط وهج اللحظة الحاضرة، وإذابتها في نسيج الفعل الشعري، هزة في أوساط المتلقين لشعر درويش، عززها استثماره للمنجز الحداثي الذي أقلق أركان الشعرية العربية التقليدية، بقيادة السياب ونازك وصلاح عبدالصبور وأدونيس ونزار قباني وحجازي. لاشك أن درويش قرأ بإمعان منجز أكثر هؤلاء، وتأثر بهم، غير أنه استطاع بعد تجارب كثيرة وناجحة أن يجترح صوته الخاص والواضح وسط زحمة الأصوات الجديدة الطالعة في ستينيات القرن الماضي.

أدرك درويش مخاطر الانزلاق وراء الأثر الأيديولوجي للقصيدة منذ وقت مبكر، فكانت نصوصه مضمخة بشحنة إنسانية عالية، حتى في أكثر اللحظات ضراوة وقسوة، ولعل قصيدته (محمد الدرة) بصوتها الهادئ وأثرها العميق، استطاعت أن تجسد هذا المنحى المهم في شعره، هذه القصيدة ستبقى قادرة على الصمود طويلاً، ليس لعدم ارتهانها لزمن الجريمة فحسب، بل لأنها تجاوزت ردة الفعل المباشرة، إلى الفعل الشعري الذي يفضح أصول الجريمة والعمق الفكري الذي نهلت منه، وهو كشف يصلح لكل مكان وزمان.

كان هذا الاتجاه الإنساني واضحاً في شعرية درويش منذ ديوانه مديح الظل العالي الصادر عام  1982 وما تلاه من كتب شعرية. 

درويش المفتون باللغة، والبارع في سبر أسرارها ومجازاتها، حرث طرقاً جديدة في التعبير الشعري العربي، من دون أن يفقد بوصلته إلى أذن المستمع، كما استطاع في معظم تجاربه أن يشد وراءه جمهوراً عريضاً يتذوق شعره. فضلاً عن تكاثر أعداد مريديه من الأدباء الذين اختطوا منهجه في الأداء الشعري.

سيبقى درويش حاضراً في الشعرية العربية إلى أجل غير مسمى، وسيبقى صوته مؤثراً ومثيراً ومهيمناً زمناً طويلاً قادماً.

عذراً أيها الموت لقد خسرت هذه المرة.