مجلة الثقافة الحرة

 
 

 

قصة قصيرة

 

حَمـَـام

هاشم تايه*

كنتُ عائداً من حيّ الحسين إلى العشّار عبر البصرة القديمة بعد أن زرتُ صديقاً.. كان نسيج مصفرّ من دخان وغبار يغلف ضحى تلك الجمعة الباردة من كانون.. أتطلّع، من وراء الزجاج، فأرى السماء المدخنة توشك أن تعصر مثانتها وتبول علينا.. كان أنف العجوز المدبّب النافر من وجهها مثل منقار حمامة يحرس صرّتها المختضّة تحت ذراعيها... صعد بعدي شاب بطربوش رماديّ على الرأس، وبملابس خفيفة ضاعفها على جسده ليتقي برد كانون، ولم يصل إلى مقعده أمامنا إلاّ بعد أن لعن حظّه، لأنّه كان يحمل ميزاناً من الحديد، واضطر إلى أن يبتسم كما لو أنّه فكّر في أن يعتذر، وكمن وقع في ورطة ولا بدّ أن يجد له منها خلاصاً حاول أن يريح ميزانه على أرضيّة السيارة، ولكنّه اكتشف أنّ قاعدته الثقيلة ستضرب أقدامنا بسبب ضيق المساحة بيننا وبينه، فاضطر إلى إلقاء عبئه على فخذيْه، وحرص على أن يقبض بكفّه على طرف ميزانه القريب من النافذة لئلا يكسر زجاجتها. الماركة الصغيرة الملصقة على عارضة بين الكفّتيْن كانت على شكل مخروط مسطّح مقلوب، عليها كتابة فارسيّة.. قلتُ في نفسي: حتّى الميزان إيرانيّ..

 السّائق يلعن الطريق كلّما تدحرجتْ سيارته في حفرة من حفره الكثيرة التي تجعلنا نهتزّ فيضرب بعضنا بعضاً.. والوحيدان اللذان استفادا من اهتزاز العربة واختضاضها كانا ميزان الشاب، وصرّة العجوز، فقد تحوّل الأوّل إلى ضارب إيقاع على فخذيْ صاحبه، وانقلبتْ الأخرى إلى راقصة في حضن العجوز... كانت كفتا الميزان مع كلّ سقطة في حفرة وصعود منها تنفران إلى الأعلى وتسقطان ضاربتيْن بعنف قاعدتيْهما الحديديّتيْن، فتطلقان أصواتاً وإيقاعات تحررتْ من كلّ ضابط، وكانت صرّة العجوز أكثرنا طرباً ورقصاً...  

قبل أن نخرج من حيّ الحسين تماماً وننعطف تجاه بصرتنا القديمة، توقّفت السيارة وفُتِح بابها لشاب ملتحٍ ببدلة قديمة سوداء، وقبل أن يصعد إلينا رفع من الأرض قفص حَمَام بحجم أول تلفزيون اخترعتْه الحضارة، وألقى به على المقعد الفارغ إلى جوار حامل الميزان، وما أن أغلق الباب وراءه واستقرّ بمقعده إلى جواري حتى أعلنتْ رشفة دخان طويلة من سيجارته سخطه وتبرّمه... ثلاثة ركاب على مقاعد الخانة الأخيرة لسيارة (الكيا) وراءنا يتبارون في إطلاق الشتائم على الدنيا وكلّ ما فيها... الأمس واليوم، والأسماء الكبيرة والصغيرة، والجهات القريبة والبعيدة، والحظوظ كلّها تلقّتْ بصقات شتائمهم... من وراء الزجاج تأتي وتذهب الأشياء بوجوهها المغبرّة ملتحمة برباط لا يُرى، وكأنّها تنتحر بصورة جماعية كلّما فقدتْنا... نفس العالم يجري على جانبيْ السيارة في شريط صامت.. عالم من الأحياء والأشياء على الأرصفة يبحث عمّا انْتُزِع منه....  حاولتُ أن أجمع الصرّة والميزان وقفص الحَمَام على سطح لوحة في خيالي... انتزعتُ صرّة العجوز من بين ذراعيْها، ونثرتُ ثيابها على  السطح السفليّ من لوحتي، فبدت مثل أمواج بحر، وعلى هذه الأمواج ألقيت بالميزان بعد أن وضعتُ فوقه قفص الحمام فتمايلا كسفينة من حديد وخشب، وكان لا بدّ من تحريك الفضاء فأطلقت فيه الحمام.. وبما أن المنظر الذي صنعتُه ظهر لي ساذجاً يستطيع أيّ خيال أن يقترحه بسرعة، قرّرتُ أن أطلق قدراتي في صناعة لوحة ملغزة بغموض يستوقّف المشاهد ويثير حمّيته لاكتشاف اللّغز، تماماً كما يفعل الرّسّام علاء بشير.. وضعتُ الميزان مقلوباً في مركز اللّوحة، وأخرجتُ الثياب من الصّرة، وأوقفتُها متجاورة في حشد خلف الميزان المقلوب، ثياب فارغة واقفة مفتوحة الأزياق، وقد تدلت أردانها، واكتفيت بحمامة واحدة بريش أسود جعلتها تنقر حديد الميزان وهي حائمة فوقه بجناحين مفتوحيْن... آخر لوحة أنجزتها بهذه المواد التي سرقها خيالي من جيراني في الرحلة كانت مضحكة.. الحمامات يلبسن الأثواب، ويستعرضْنَ أزياءهنّ الجديدة على كفتيْ الميزان صاعدات نازلات بدلال.

 

* تشكيلي وشاعر وقاص عراقي