مجلة ثقافية حرة  بإشراف يحيى البطـّاط  صدرت أول مرة في 28/11/2003

قصة قصيرة

 

أوذيسّا بريّة...

هاشم تايه

 

كانت الساعة المعقودة على معصمي تشير إلى التاسعة والرّبع حين فرغت من نقل تماثيلي الأربعة والعشرين، واحداً بعد آخر، من غرفتها التي نحتّها فيها، وتغذّتْ على غبارها وظلامها، إلى رواق الحديقة..

مسحتُ جبيني، وتطلّعت إلى السماء، وتألّمت لأنّ شعبي الصغير الذي لا يزيد على أربعة وعشرين كائناً، قد خسر دعم السماء، على الرغم من أنّه لا يطلب شيئاً سوى نور الحياة وهوائها.. كانت شرائح فحميّة عريضة قد حجبت الشمس في صباح آخر أربعاء من نيسان، وإلى الشمال كانت فحمة سوداء هائلة تشقّ طريقها من الشّرق، وتتقدّم بأجنحة من دخان إلى حيث أقف بين رعيّتي مثل نبيّ ينتظر إصبع ربّه ليسافر بها... كنتُ مبتلاً بالخوف من أن يسقط المطر خلال الوقت الذي أحملها فيه بشاحنة من بيتي إلى البيت الثقافي في مركز مدينتي البصرة حيث سيتمّ عرضها على الجمهور، ابتداء من ضحى الخميس..

فثلاثة أرباع هذه التماثيل هي عبارة عن هياكل ملفوفة بأوراق جرائد ومجلات، وأصغر مطرة ستكون مثل تيزاب لن يبقي منها إلاّ عظامها وهي مجرّد جريد نخل، وأسلاك معدنيّة، وقضبان حديد مستهلكة، وعُلَب عصائر بلاستيكيّة، وبقايا كراسٍ، وشظايا أجهزة كهربائية... لبثتُ بين الباب الخارجي وبين خليقتي المنتظرة التي لم تكن تعرف شيئاً عمّا يجري في السماء، ولا أعرف لماذا شعرتُ بأنّها الآن قد صُدِمتْ بالفضاء والضوء والأصوات، والعالم الذي خرجت إليه، وربما ستكون مثار سخريته... كانت تبدو لي كما لو أنّها أضربتْ عن رغبتها في مفارقة غرفتها السريّة الضائعة في بيتنا، وأنّها الآن تفضّل العودة إليها لتعيش هناك بصمت في الظلام الرّحيم بعيداً عن هذا الفضاء المدمدم... لكن، ما يدريني، فلعلّها أحسّت، في الأضواء الواهنة لهذا الصباح، بأنّ لها ظلالاً تُنبئها بأشكالها، وبأنّها أضحت قادرة على أن تتلامس ولو بالظلال... وكنتُ متردّداً بين أن أخرج إلى الشارع،لأجلب شاحنة تسعها، وبين أن أنتظر حتّى تُفرغ السماء كيسها المملوء بالمطر، ولأنّ هذه الأخيرة لا تعبأ بي ولا بتماثيلي الملفوفة بالورق، وليست هي على استعداد لتتنازل فتخبرني بأنّها ستمطر في هذه الدقيقة، وستكفّ عن المطر في الدقيقة الفلانية، ولأنّ مثل هذا الظرف يجعل إنساناً مثلي، لا يزيد صبره على قلامة ظفره، يهيج فيرفع كفّه ويصفع العقل والمنطق، ويستقبل الحماقات، فتحتُ الباب وانطلقت إلى الشارع العام... كان الهواء رطيباً يحمل وعد المطر المتربّص فوقي....

قلتُ لسائق الشاحنة الذي أوقفتْه يدي: "عندي حمل خفيف لا يزيد وزنه على ثلاثين كيلوغراماً.. وأضفت موضّحاً، إنّها مجرّد تماثيل...". قال: " آخذ عشرة آلاف دينار، ولا أتحمّل المسؤولية لو تكسّرتْ تماثيلك" قلت "موافق" وصعدتُ إلى جواره برجاء أن يكون رحب الصدر معي، وخذلني سكوته عن رجائي هذا، وتجاهله إيّاه...

أمام بيتنا أنزل السائق باب شاحنته، وبعد أن ثبّت قدمه على حافة حوضها تعلّق بعارضة حديد، وارتفع بجسده، فاستوى واقفاً في مقدمة الحوض، وأطلق ذراعيْه بحركة مسرحيّة، أشعرني من خلالها أنّه مستعدّ لاستقبال منحوتاتي، وبدا لي بدشداشته وبطاقيته البيضاويْن، مثل نورس نَسِي الشواطئ والأسماك..

كانت السّماء ما تزال تستقبل قطع الغيم، وتتحرّك لاستقبال المزيد منها وبدتْ كما لو أنّها توشك أن تغصّ، وأن تتجشّأ.. تلّقى السّائق النورس أربعاً من أضخم منحوتاتي وبينها اثنتان من الكرتون مقلّداً طريقتي في حملها إليه من قواعدها بحذر، ثمّ أنزلها في آخر الحوض مسنداً ظهورها إلى الحاجز الحديد، وهو يُريني كيف يبذل طاقته من أجل المحافظة عليها... حين هممْتُ بحمل منحوتتي الخامسة ضربتْ رأسي أولى قطرات المطر، ففزعتُ منتفضاً، وهرعتُ إلى السائق أطلب منحوتاتي التي شرعتْ إبرُ المطر تخزها في كلّ جنب... أغلق السائق باب الحوض الفارغ، واستدار وهو يقذف بنظراته إلى السّماء، وصعد إلى قمرة شاحنته بكلمات قالها لنفسه، وقبل أن أسمع هدير محركه توقّف المطر تماماً، ومن خلال النافذة التي اختفت عنها زجاجتها رأيت أصابعه تقبض على المفتاح الصغير وتهمّ بإدارته، وقال وهو يردّ على محاولتي إقناعه بأن نعاود الكرّة ثانيةً :" إنّها الثريّا، ولا أحد يعلم متى تمطر، ومتى تتوقّف"...

تقهقرتُ عائداً إلى تماثيلي بالدّخان الذي قذفه النورس من مؤخرة شاحنته، فوجدتُها ماتزال محافظة على توتّر أعضائها في الفضاء ، كما لو أنّها تمرّن أجسادها على البقاء طويلاً بحركاتها الصعبة، ولا بدّ أن شعوري بمعاناتها ، هو ما أغرقني في حلم صغير طرتُ خلاله إلى السماء بإسفنجة هائلة امتصّت مياه الغيوم كلّها وجففتْها تماماً... وسرعان ما أعادني الوقت الذي خسرتُهُ من دون طائل إلى تماثيلي المنتظرة، ومن أجلها أسرعتُ إلى الشارع مرّة أخرى...

الزقاق القذر يتطلّع إلى الغيوم ويودّ لو يغتسل بمائها، وأشجار الحدائق المنزليّة كلّها تنتظر المطر يطهّرها من أغبرة الأيّام السّابقة، وأنا ألعن الزقاق القذر، والأشجار الغبراء، وأتمنّى ألاّ تنال ولا قطرة واحدة من أكياس الغيوم...

نجحت في الحصول على شاحنة ثانية، ولكن بلا نورس هذه المرّة، بل بسائق ضخم متّسخ السّاعدين والجبين ببقع دهون ويرتدي دشداشة زرقاء، وكأنّه خُلق ليقود هذه الشاحنة القديمة اللاهثة... أغلق السائق باب حوض شاحنته من كلا طرفيه، بعد أن صعدتُ أنا وتماثيلي الأربعة والعشرون ، ورجوتُهُ أن يسير على مهل لكي نحتفظ بقدرتنا على الوقوف ومن أجل ألاّ نسقط ويُحطّم بعضنا بعضاً، وقبل أن يفتح باب قمرته ويختفي فيه، انحنى وضرب بقبضته المدهونة إطار الشاحنة تحته، وبصق بصقة قويّة من منخريْه ومن فمه...

 نسيتْ الغيومُ الأزقةَ القذرة، وأشجارَ الحدائق الصغيرة المغبرّة ، وحسناً فعلتْ، ولكي أحافظ على توازني قبضتُ بيدٍ على أنبوب حديد في سياج الشاحنة، وباليد الأخرى احتضنتُ أعزّ منحوتتين، وأسندت بساقيّ أقربها منّي، وعلى الرّغم من أنّ سائقنا جعل شاحنته تسير بأقدام سلحفاة عجوز، إلاّ أن ذلك لم يحل بيننا وبين أن نترنّح ونهتزّ، ونرقص رقصة بطيئة متعانقين، كلّما صعدنا حدبة من حدبات الطريق... خرجت الشاحنة من زقاق بيتنا الواقع في حيّ الطويسة، وانعطفت في الشارع العامّ، وصار بإمكان المارّة وراكبي السيّارات أن يروا رؤوس تماثيلي السكرى، وأذرعها النّافرة المرتجّة، وأجزاء أخرى من أجسادها من خلال مشبك سياج حوض الشّاحنة... وثملتُ، أوّلاً لأنّني أوهمتُ نفسي بأنّ شرفات البيوت، والأشجار، وأعمدة الكهرباء المائلة، وحتّى الدكاكين الصغيرة تودّعنا وهي تصفّق، ولأنّني، ثانياً، تخيّلت أن السيارة التي تسير خلفنا تحمل كاميرا سينمائيّة، وأنّ أحد كبار المخرجين يجلس فيها، ويطلق توجيهاته للمصوّر الذي يسجّل عذابي الفادح كفنّان مهموم بفنّه.. كنتُ أشعر أنّني جدير بهذا الامتياز، كيف لا وقد صنعتُ من مجرد مواد مهملة انتزعتُها من أزبال مدينتي ونفاياتها، هذه المنحوتات الفريدة في عام كامل من الأيام العاطلة عن الكهرباء، والماء، والزوجة، وتحت الأصداء المجنونة للقذائف، والإطلاقات، ومفرقعات الأطفال اللّعينة.. عام معفّر بالقاذورات  سرحتُ خلاله، كالمجنون، بين تلول الأزبال، أنا والكلاب، والقطط، وحشرات الأرض، وهوام الفضاء، عام من الأعباء التي قذفت بها الشياطين، فحملتُ فيه الأشياء الميّتة بروائحها السّامّة إلى بيتي، وتبعتْني إلى سريري، وأطلقتْ أشباحها الملوّثة التي لم تسكت عنّي حتّى وجدتْ أرواحها تنتصب مجدداً في دُمى جديدة ؟

إنّني أنا خيّاطها، ونجّارها، وحدّادها، وباعث شهوتها إلى الحياة، وإذا ما قُدّرِ لأحد تماثيلي أن ينتصب في إحدى ساحات مدينتي، في يوم قادم، فسوف يكون تخليداً لكلّ نفاياتنا التي أخرجناها...   

الشاحنة تدبّ وراء الوقت وتسحق دقائقه وتذروها مع دقائق الحصى على جانبي الطريق، وأنا أفكّر في أن لا يعطّلني الزحام وفوضى السيّارات عن بلوغ البيت الثقافي الذي يتعيّن عليّ أن أعبر جسرين لأصل إليه، وأرتّب منحوتاتي فيه بالشكل الذي يرضيني... وكنتُ لا أفتأ أراقب تماثيلي المسافرة وقوفاً، وأدعوها إلى أن تتماسك وتحافظ على توازنها، وأرفع رأسي عالياً، وأدعو الغيم الهائج إلى أن يحبس مياهه حتى نصل، وكلّما نجحت في هذا وذاك، شعرتُ بالنشوة وسررتُ لأنّني أتعذّب من أجل فنّي، وغرقت في أعباء مهمّات أخرى أشدّ قسوة، فصرتُ النبيّ المرهق نوح، وحوض الشاحنة سفينتي التي ستعصمني وشعبي من الطوفان، وكان قلبي، والويل له! يفلت من جسدي ويرى بعينيْن مملوءتين بالشوق والدمع كيف ينظر الناس إلى جوقتي الفريدة المحمولة، وأنا نابت وسطها مثل ربّان دوّختْه الريح،أرمي بنظراتي على الطريق وأعدُّ ما بقيَ من حُفَره وعثراته، وأرى في السّماء مارداً من دخان يتعقّبني قافزاً من غيمة إلى غيمة، حاملاً صُرّةً منتفخة بالصّواعق وبمياه الأمطار ، لا يشغله إلاّ أن يتأكّد من انفجار صرّته بمياهها على رأسي لو قذف بها من هناك.. وحين انتهت بنا الطريق إلى الجسر الأحمر في حي الساعي سمعتُ في داخلي صوتاً يغصّ بهذه الكلمات:

أيّها الرّبّ،

دعنا نعبر بسلام

نحنُ نفاياتُكَ المنسيّة

ضعْ كفّيْكَ القويّتيْن

تحت جسرنا العتيق

وقلْ له أن يحملنا

لا تدعْ الطريق

يَغَصّ بنا

دعنا نمضِ مُلوّثين

إلى مصائرنا

....

خرجت الشاحنة من الجسر، وكأنّها تخرج من جورب، بعطسة قويّة من دخان اختلطت رائحته بعفونة مياه النهر بلونها البنفسجيّ الذي يشبه لون أحشاء حيوان ميّت، وبالرّوائح النتنة التي هبّت من مسلخ الحيوانات القريب...

وراء الجسر أبطأ السائق حتّى كاد أن يتوقّف بنا، كانت هناك سيّارتا بيكب تحملان رشّاشتيْن ويحرسهما عدد من الجنود يقفون بملابسهم العسكريّة وببنادقهم في مدخل الشارع المؤدّي إلى مبنى المحافظة حيث قرّر سائقنا، اختصاراً للطريق، المرور من هنا...عاين الجنود حوض الشاحنة بما فيه، وقال جنديٌّ ساخراً: " انظروا هذه المكيّفات"!

وانتعش قلبي لأنّه لم يكن بين هؤلاء من يرى في تماثيلي أصناماً فيحرّض جماعته على رميها في النهر البنفسجيّ...

 على جادة الشارع، حيث تقدّمت بنا الشّاحنة بحذر، أعداد أخرى من رجال الشرطة والجيش كانوا مستنفرين ببنادقهم على الجانبين، واكتشفت أنّ المتظاهرين الذين احتشدوا أمس أمام مبنى المحافظة وطالبوا السيّد حاكم مدينتنا بالتّنحي عن منصبه مُتّهمين إيّاه بالفساد، وباستغلال النفوذ، قد عادوا صباح اليوم بلافتات الأمس وهتافاته، وأبصرتُ، ونحن نتقدّم ببطء، عدداً كبيراً من الجنود ينتشرون ببنادق مشرعة على سطح مبنى محافظتنا.. ومن بين جموع الغاضبين لمحتُ شخصاً يصعد على مكعب كونكريتي وسرعان ما التفّ حوله رفاقه وشرع يهزّ يديْه بقوّة في الفراغ، ويهدر بخطبة، ولا بدّ أنه كان ينثر على رؤوس الملتفين حوله كلمات من نار، إذ كان يتلقّف ثمارها ساخنة فوراً، وما من عبارة تفجّرت على فمه إلاّ وتبعها صراخ ناقم، وهياج شديد وتلويح بالقبضات، وتدافع عنيف، وصار بإمكان رجال الجيش والشرطة المتأهّبين فوق مبنى المحافظة، أن يرونا كليْنا، هو على مكعبه الكونكريتيّ الأصمّ يصنع معجزته الخطيرة سريعاً دافعاً رفاقه إلى بحرٍ غاضب يوشك موجه المتدافع أن يقتلع كلّ شيء، وأنا على الشاحنة أضعُ يديّ بحنان على أجساد مخلوقاتي، أهدّئُها، وأدعوها إلى أن تقف بثبات، وبلا ضجيج، وكأنّني أعلّمها بأنّ قدري وقدرها أن تكون صرختنا مسموعة داخلنا فحسب، وأن نكون صورة الصرخة لا صوتها...

تقدّمت شاحنتي إلى الأمام على أرض توشك بالانفجار، وتحت سماء مهدّدة، وحين انعطفتْ إلى اليسار لتدخل الزقاق الذي سيخرجنا من المكان العنيف أطلقتْ حشرجةً وكأنّها كلب غصّ بقطعة لحم دُسَّتْ فيها دزينة من الإبر، وبركتْ منطفئة، وقد غدتْ قمرتها داخل الزقاق، وحوضها خارجه بمواجهة مبنى المحافظة... ترجّل السائق شاتماً يومه، وفتح غطاء المحرّك وغاص في أحشائه، وانفصل عدد من الجنود عن الفصيل الذي كان يراقب ما يجري في السّاحة الثائرة، منتقلين وهم على سطح المحافظة إلى النقطة المواجهة شاحنتنا الباركة، رأيتهم يتكلّمون مع بعضهم ويشيرون إليّ إشارات غامضة، وكانت بنادقهم في قبضاتهم، وخفتُ أن يظنّ هؤلاء أنّني منخرط في لعبة المتظاهرين، وأنّني مكلّف بدور مرسوم وراءه هدف محدّد، فماذا تعني هذه الدّمى الضخمة التي تملأ حوض الشاحنة، أيُعقل أنّها حضرت في هذه السّاعة الخطرة من دون سبب؟ ومن يدري، فلعلّها ستُوزَّع على عدد من الثائرين، يحملونها للتعبير عن أمرٍ ما أو ربّما لمجرّد السّخرية، ربّما للتلويح بأنّنا مجرّد دُمى لا تخيف أحداً، وقد يحرقونها في نهاية المطاف قبل أن يحرقونا... ومن أجل أن أنقذ أولئك الجنود من عناء ارتيابهم بي، ترجّلتُ بخفّة وتركتُ تماثيلي وحدها في الحوض، وابتسمتُ للجنود ورحتُ أتنقّل تحت أنظارهم بين صندوق المحرّك الذي مازال السائق ينبش أحشاءه،وبين الحوض الذي اعتكفتْ فيه تماثيلي، وأطلقتُ عدداً من الإشارات بيدي تقول إنّ الشاحنة توقّفتْ بسبب عطل، وما أن يصلحه السّائق، حتى نبرح المكان بما نحمل، ولكي أزيدهم اطمئناناً جلست على الأرض واضعاً كفيّ على الركبتيْن، وابتسمت ثانيةً كأنني أعلن أنني مجرّد شخص مسالم مستقلّ عمّا يجري، وأنني لا أنتمي إلاّ إلى نفسي... لم يغادر الجنود مكانهم، وذهبت قصّتي بلا طائل وكأنّها تبخرت في الهواء ولم يقبض منها الجنود على شيء..

ظلّت الشاحنة باركة بسبب عناد محرّكها الذي استعصى على السّائق، ومرّ وقتٌ بغيض لم يكن هناك من وسيلة لمنع مروره، وكما لو أن السّماء انتبهتْ إلى أثقالها التي حملتْها طويلاً، وقرّرت الآن أن تريح نفسها منها... فهطل المطر...

خفّ المتظاهرون تحت هول المياه المنهمرة إلى خيمة نصبوها أمام مبنى المحافظة، واحتموا داخلها، وغادر قسمٌ منهم المكان نهائياً، بعد أن جرّدتْهم الأمطار من الغضب، وتخلّص الجنود فوق المبنى المكروه من عبء وجودهم هناك، ولم تبق إلاّ التماثيل شاخصة على الشّاحنة في الفضاء الغريق...

رفعتُ رتاجيْ باب الحوض فنزل مدفوعاً بالمياه المحتجزة فيه، وهوى إلى أسفل مرتجّاً بقوّة.. تقهقرتُ خطوتيْن إلى الوراء مرشوشاً بالمياه... كانت منحوتاتي التي انتفخت بماء المطر قد غدت مثل مومياوات غاضبة تنفجر بطونها الملفوفة بورق الجرائد، وتتدفّق منها المياه ساقطة، مع الكلمات المبتلّة، على الأرض.