مجلة ثقافية حرة

 
   

 

نخبوية الشعر وإنسانيته

د. حاتم الصكَر

 

لكي نناقش  صلة الشعر بالجمهور سوف نبوح أولا بأننا نرغب في دحض آلية هذه الصلة والاعتراف بالفزع من وضع أو صياغة هذه المعادلة (الشعر / الجمهور ) حيث يتصاغر الشعر باعتباره نتاجاً فرديا معبراً عن (ذات) بمقابل وجود (الجمهور ) ككتلة استهلاكية ضخمة وضمير جمعي , كما تحضر المقولات الإيديولوجية التي تربط الشعر انعكاسيا بالجمهور , كمادة  له وموضوع وهدف في آن واحد , فيستمد الشعر مادته (اللغة والإيقاع والصور والمعاني ) ويأخذ موضوعه منه ويتجه إليه في عملية البحث كهدف منجز , وذلك يضعف فنيته .ويغيّب خصوصيته , ويربط شعريته بالفهم الجمعي

 للجمهور المتكون وفق ذائقة أو أعراف يتمسك بها بينما تتجاوزها القصيدة عبر تطورها واستمرارها في المخيلة والذاكرة والتجربة الذاتية حتى عندما تحاول أن تلامس موضوعاً خارج الذات . ولقد كرس النقاد والجماليون الماركسيون تلك الرؤى الانعكاسية والصلة الآلية بين الشعر والجمهور وطلبوا دائما أن يقدم الشعر (خدمات) فنية وموضوعاتية وتداولية للجمهور دون أن يطالب الأخير بتقديم ما يرسخ فنية الشعر وحداثته حتى وهم يتحدثون عن فن أو أدب الحياة , وقد يحضر الجمهور حجة أو ذريعة للتراجع عن موقف الحداثة ورؤاها المتقدمة كما حصل في الاصطفاف ضد القصيدة الجديدة ( الحرة أو النثرية ) بدعوى أن ( الجمهور ) لا يفهمها أو يرتضيها , وذلك ما عرضته الشاعرة نازك الملائكة مبكرا وفي عقود الحداثة الشعرية الأولى إذ أفردت فصلا خاصا لموضوع ( الشعر والجمهور ) في كتابها النقدي  (قضايا الشعر المعاصر ) واحتكمت إلى الجمهور لتحديد ملامح الحداثة المقبولة أو المرفوضة , وشرعية التحولات الأسلوبية في بناء القصيدة العربية الجديدة وإذ نتوقف عند هذين النموذجي :  نقد الانعكاس الواقعي , وأطروحات التحفظ على الحداثة , بمبرر (الجمهور) المتكتل والمكرّس كقيمة جمالية وفنية فإننا نناقش ذلك المبرر ونحاول الرد عليه .

مقابل ذلك نقر أن (نخبوية) الشعر لا تنقض إنسانيته أو تلغي اجتماعيته, استنادا إلى طبيعة الشعر الخاصة كملفوظ ذاتي ابتدعته (أنا) الشاعر ,  واتخذ هيئات أو كيفيات نصيه داخل القصائد التي تمثل عندنا مناسبة لتأكيد الخطاب الشعري ورؤى مستخدم الخطاب ومواقفه .. وسنفحص هنا مكانة الشاعر عبر تاريخ الثقافة العربية وامتيازه داخلها من جهة , وموقعه داخل وحدة أو خلايا (الجماعة) التي يمثل الجمهور اسما آخر لها , وذلك يلزمنا بتفحص مكانة الشاعر أيضاً وبالضرورة , كما نتوقف عند التعيّنات التي يتخذها (الجمهور) كحكم ينتج أحكام قيمة ومعايير تفضيل وتفاوت , وقبول ورفض للمتن الشعري, باعتباره (مستهلكا للشعر ) ومستودع أعرافه القارّة ومحدد الكيفيات التي تنتظم بها شعريته .

إن هذا الوجود الهائل والمخيف للجمهور سيعطيه قوة قراءة إضافية لا تتعلق هذه المرة بأعراف القراءة ومستوياتها والياتها , بل بما هو خارجي وغير شعري متحصل من الموقع والسلطة التي تنسب إلى هذا ( الجمهور ) كضمير جمعي وطني أو قومي إنساني تضحمل بإزاء قوته وسلطه أبنية القصيدة وكيانها ومفرداتها .. وإذ نرفض مقولة ( الجمهور ) مصطلحاً ومفهوماً للأسباب المبينة نقترح فحص مصطلح ( القارئ ) علامة على انتقال البث والرسالة الشعرية إلى الكتابية وهجرها المرحلة الشفاهية ,وما يترتب على ذلك من تغير مكونات القارئ تبعاً  لتغير تلقيه للقصيدة بصرياً لا سمعياً ، وتغير بثها إليه عبر قناة توصيل كتابية وليس إلقاء شفوياً ..

القارئ بدوره سيكون عنصراً ضاغطاً في تحديد شعرية القصيدة لأنه سوف يلتم عبر محددات جمالية ومعرفية وفهم خاص للشعر وسيكون له وجود داخل النص بما يعرف في نظرية الاستقبال بالقارئ الضمني الذي ربما أخذ من القصيدة بعض الحقوق التي يفرضها وجوده أثناء كتابة النص الشعري لا سيما وهو يرمز إلى الآخر بما يعني من ممنوعات ومحظورات . لكن ( المتلقي ) سيكون الاسم المناسب لأنه يجعل متقبل القصيدة مشاركاً في إبراز شعريتها وملء فجوات النص وفراغاته عبر مستويات النظم كلها , وهو ما يجعله ينقل النص من الوجود بالقوة ( داخل القصيدة ) إلى الوجود بالفعل عبر عمليات تلقيها وما يتمتع به المتقبل من دينامية و ذخيرة تؤهله لإبراز طاقة النص وما تخفيه أبنيته ...

إن الخوف من وجود كتله جماهيرية توجه الشعر صوب ثوابتها وأفق تلقيها يجعلنا نشير إلى المخاطر الفنية لذلك , كالوقوع في الخطابية والمباشرة ، أو التبسيط وتملق ( الجمهور ) وصولاً إلى الشعبوية أحياناً كنكوص إلى مرحة الشفاهية التي يفقد فيها  النص الشعري ملموسيته بكونه نتاجاً سمعياً لا تعين له ولا تحديد ... وهذا يوقع النص الشعري في آنية زمنية عابرة ولا يتيح له إمكان التغير والتحول والدخول في حداثة ممكنة وضرورية .

 إلى جانب ذلك نرى إمكان تخلص الشعر بحداثته وفنيته الخاصة من الحدثي العابر أو الارتهان باليومي المباشر ,  وهذا ما وقع فيه أو نجا منه شعراء مهمون في تاريخ الشعرية العربية المعاصرة ، نحاول أن نجعل الجانب التطبيقي يتصدى لها , وسوف تعزز الأمثلة النصية ما ذهبنا إليه من رؤى حول صله الشعر بالجمهور , ومبررات رفضنا لهذا الربط وما أسميناه بالمخاطر والمحاذير التي نخشى أن تقع فيها القصيدة التي تسلط عليها تكتل الرأي الجمعي العام بآسم الجمهور أو الواقع أو المجتمع زمناً طويلاً ... مما أوقعنا في اجترار وإعادة البنى الشعرية والمعاني والإيقاعات والتراكيب التي استودعها الشعر الموروث لدى ( الجمهور ) وصارت جزءا من خبرته دون تجاوز أو تغيير تبعا لمستجدات مكونات الفرد المتلقي والثقافة البصرية المعاصرة التي صارت جزءا مهما منها والتي لابد أن تدخل في عملية التلقي كي لا يظل ( الجمهور ) كائنا إلتهامياً لكل حداثة أو تجريب  أو تجديد .

      -  تلقي القصيدة بمقابل استهلاك الشعر 

      -  والمتلقي كذات بمقابل الجمهور كسلطة .

هذا ما نراه خلاصة لتطوير أفق القراءة والسعي إلى خلق جماليات تلقٍ مناسبة لحداثة القصيدة العربية المعاصرة المتحررة من ثوابت القواعد الموروثة والكليات التي تحكمت في تاريخ الشعرية العربية