مجلة ثقافية حرة  بإشراف يحيى البطـّاط  صدرت أول مرة في 28/11/2003

 

 

كلمة السرّ في العلاقة مع الآخر

إبراهيم الكوني

(1)

إذا اتفقنا بأن الإنسان عدو ما يجهل فلا شك أن الشرط الأول لقبول الإنسان لأخيه الإنسان إنما يكمن في معرفة الإنسان لأخيه الإنسان، لا جهل الإنسان بأخيه الإنسان، وهي معرفة أوصت بها كل المتون المقدسة تقريباً. ففي القرآن نقرأ الوصيّة المبثوثة في الآية الكريمة (وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا)، أي تلبية الحاجة إلى الجماعة أمر مشروط بالمعرفة، ذلك أننا لن نفلح في إنجاز المعرفة بالآخر ما لم نقبل الآخر، كما أن العكس صحيح. هذه الطبيعة الجدلية بين معرفة الآخر وقبول الآخر، تطرح السؤال عن ماهية هذه العلاقة قبل أن تنتج السؤال الآخر عن هوّية العلاقة. فما معنى أن نقبل الآخر؟ أن نقبل الآخر يعني أن نعرف الآخر.

ما معنى أن نعرف الآخر؟ أن نعرف الآخر يعني أن نقبل الآخر. للخروج من الدائرة السحرية لا بدَّ من تأمّل المعرفة التي تنتج ظروف القبول كمبدأ؛ فنحن لا نفلح عادة في أن نعرف دون أن نجود بفداء، لا نعرف ما لم نغيّر ما بأنفسنا فنقدم تنازلات. وغالباً ما يكمن هذا التنازل في التضحية باليقين المسبق الذي يروق لنا أن نسميه بلغتنا قناعات. تجربة عسيرة كتجربة تغيير ما بالنفس التي وضعتها الوصية القرآنية شرطاً لتغيير ما بالقوم (أي ما بالدنيا) هي بمثابة الترجمة الصحيحة لمصطلح نفيس كالتسامح. وهي كتجربة لا تختلف عن العمل بوصية (اعرف نفسك) الأقدم عهداً والأعسر منالاً. وهو ما يعني في النهاية أننا لن نعترف بالآخر ما لم نعرف الآخر، أي أننا لن نعرف الآخر ما لم نعرف أنفسنا، ولن نعرف أنفسنا ما لم نغير ما بأنفسنا. وهكذا نرى أن الشروط المبثوثة في وصايا مختلف الثقافات في سبيل إنجاز قبول الآخر، ما هي إلاّ حلقات لا غنى عنها لاستكمال تثبيت حجر الزاوية؛ لتشييد كيان قانوني يبدو وضعياً لأول وهلة، ولكنه ذو طبيعة أخلاقية في حقيقته النهائية.

(2)

ولكن ممارسة القانون الوضعي أهون بما لا يقاس إذا قورن بواجب الالتزام بالناموس الأخلاقي. وقد ورثنا عن محفل الحكماء السبعة الرسالة القائلة بأن ما يعجزنا دائماً هو الفعل النبيل؛ فالنفس الأمارة بالسوء لا بدّ أن تعلن عن نفسها هنا أيضاً، لأن الانتماء إلى الكثرة يورث الإحساس بالقوة كما يوهم بامتلاك الحقيقة، أو فلنقل باحتكار الحقيقة، بالتالي. هذا الاستكبار الناجم عن الاستنصار بالأغلبية مقدمة طبيعيّة لارتكاب الخطيئة: خطيئة إلغاء وجود الآخر من خلال قمع ثقافة الآخر. فإنكار لغة الآخر بفرض لغة الأغلبية على الآخر عمل ليس من قبيل تغريب الآخر فحسب من خلال نزع لسان هذه الضحية، ولكنه حكم بالإعدام في حق الآخر. ذلك أن اللغة لم تكن يوماً مجرد أداة تعبير، ولكنها باعتراف كل أهل الحكمة (بداية ببارمنيدس ونهاية بهايدغر)، هي المعادل الطبيعي والشرعي لوجودنا الحقيقي، لوجودنا الروحي، بل وحتى البدني، برمّته. أما إظهار الآخر لمجرد كينونته كأقلية دينية بقمع ممارساته الدينية، فهو ليس تطاولاً على الإيمان كعبادة كلية غير قابلة للتجزئة، ولكنه جهل بطبيعة الديانة نفسها. هذه الديانة التي لا تموت مهما أردنا لها أن تموت لأنها امتلكت القدرة الاستثنائية على أن تتخبأ في باطن ديانة الأغلبية لتحيا هناك متخذة من ديانة الأغلبية مجرد قناع. أي أنها قد تموت كتجربة طقسية قوامها الشعائر، ولكنها تستنصر بالاستعارة كجوهر. ولكن شهوة احتكار الحقيقة روح إثم لا تشبع ولا ترتوي، ولا بد أن تقطع شوطاً آخر في مسيرة احتواء الآخر، وبالأصح، إلغاء الآخر. والخطوة التالية في هذه المسيرة دائماً هي محو أثر الآخر. هذا المحو الذي لا يتأتى عادةً من دون طمس تاريخ الآخر ليقين يقول بأن الإنسان بلا تاريخ هو الإنسان بلا هوية، وإنسان بلا ماضٍ هو إنسان بلا حاضر أيضاً وبالتالي إنسان بلا مستقبل. وتنسى روح الإبادة هذه أن ما وجد يوماً هو مبدأ موجود في عرف الوجود، موجود في عرف الأبدية، حتى لو لم يوجد اليوم، حتى لو زال اليوم. ومحاولة محوه من الوجود لمجرد أنه فعل مضى هو جرم في حق الأبدية، جرم في حق الناموس الإلهي الذي استعار لنفسه اسم الزمان في حديثه القدسي بأبعاده الثلاثة: الأمس واليوم والغد.

وهو جرم لا يمرّ من دون قصاص، لأنّ من تجاسر فأطلق النار على الماضي من فوهة مسدس؛ فإن المستقبل سوف يطلق عليه النار من فوهة مدفع كما عبّر أحد حكماء الشرق.

 

(3)

إبادة الآخر ثقافياً، إذاًَ، جرم لا يختلف عن إبادة الآخر جسدياً. وروح احتكار الحقيقة التي يروق لنا أن نسميها روح التعصب لا تلجأ إلى ارتكاب الجرم الأخير إلا عندما تعجزها الحيلة في إنجاز الإثم الأول دون أن تعي بأن بطش الإنسان بأخيه الإنسان، ما هو إلا بطش الإنسان بالإنسانية بأسرها (كما تؤكد الآية القرآنية)، وبالتالي بطش بصاحب البطش نفسه بوصفه ذاتاً تنتمي إلى الإنسانية، أي ذلك الجزء الذي يشترط وجوده وجود الكل. ولكن السؤال الجدير بأن يُسأل هو: لماذا يحدث الخلل؟ لماذا تتزعزع أركان البنيان وتنفرط حبات العقد المبرم بين القطبين الخالدين المتمثلين في الائتلاف من جانب وفي الاختلاف من جانب آخر؟

لا يكفي أن نقول إن السبب يكمن في الظمأ إلى السلطة التي ترفض اختلافاً هو عنوان الحياة القائمة أصلاً على وحدة الأضداد، ولكن يجب أن نعترف بأن السر إنما يكمن في غياب تميمة أخرى كانت منذ الأزل الرديف الطبيعي للحقيقة ألا وهي: الحرية!

 

(4)

لقد أتاحت الأقدار الفرصة لكاتب هذا المتن أن يحيا تجربتين ثقافيتين مختلفتين تحت حكم نظامين سياسيين أوروبيين مختلفين تصلح شهادةً هنا. فالتجربة السوفييتية في معالجة الاختلاف ظلت اختلاقاً مؤتلفاً. وهو ائتلاف لم يكن ائتلافاً طبيعياً بل ظل إلى نهاية الإمبراطورية ائتلافاً ملفقاً. هذا في حين استطاعت التجربة السويسرية أن تحقق الاختلاف في صيغته الموفّقة، الاختلاف في صيغته المؤتلفة. لماذا؟ الجواب: بسبب حضور التميمة. بسبب حضور الحرية في التجربة السويسرية وبسبب غياب هذه الحرية في تجربة النظام الشمولي السوفييتية . ففي الوقت الذي كانت فيه صروح أكبر إمبراطورية معاصرة تشهد انهيارها المهين بسبب غياب الحرية في شرق القارة الأوروبية، كانت هذه التعويذة نفسها (الحرية) تحقق في غربيّ القارة الأوروبية معجزة قيام اتحاد الأمم الأوروبية.

ألن يعني هذا أن الحرية ليست مبدأً استسرارياًّ أو ميتافيزيقيا، بل هي ناموس أخلاقي مخوّل بأن يلعب دوراً ريادياً في التجربة الدنيوية؟ وإذا كان استنزال ملكوت الله أرضاً وإقامة نظام ربوبي في رحاب الدنيا أعجوبة رهينة بائتلاف المختلف، أفلن تكون الحرية عندئذٍ، هي كلمة سر هذا النظام؟

 

دبي الثقافية العدد 36