|
فالكلمات نفسها تحتاج الى من يمنحها قوة الحياة ويظهر
الشعر الذي تخبئه وإلا تحولت الى "رموز ميتة" يغطيها غبار الزمن .
وفي تناوله لفكرة الكتابة المقدسة التي دخلت أوربا عن
طريق الشرق لا يجدها –بورخس- فكرة خاطئة إذا ما كان "الروح القدس موجود
في قلب البشر النقي" ولكنه من ناحية أخرى لا يؤمن بخلود الكتب ,
ويعتبرها فرصة للجمال .
فاللغة تتبدل دائماً ولا يكون للكلمات ذات الوقع
والتأثير عبر الأزمنة المتعاقبة , مثلما هو حالنا المتغير بإستمرار .
حيث تبقى المتعة الحقيقية هي فرصتنا لإقتناص الجمال في الأشياء التي
حولنا . وقد نجد ذلك في عنوان فيلم أو بيت واحد من قصيدة أو في كلمات
أغنية شعبية .
وأن الزمن يُغني ابيات الشعر التي تستمر , لقرون عديدة
, بتأثيرها ووضوحها وجمالها . وأننا –برأي بورخس- نعرف ماهو الشعر الى
حد لا نستطيع تعريفه بكلمات أخرى , مثلما نحن عاجزون عن تعريف مذاق
القهوة , أو معنى الغضب , أو الحب , أو الضجر , أو حب بلادنا .
ونعبر عن مثل هذه الأشياء بالرموز المشتركة التي
نتداولها . ويستشهد –بورخس- بعبارة للقديس أوغسطين "ماهو الزمن ؟ إذا
لم تسألوني ماهو , فإنني أعرفه . وإذا ما سألتموني ماهو , فإنني لا
أعرفه" .
وفي مجال الإستعارة يقدم –بورخس- أنواعاً من الإستعارات
كالإستعارة "النمطية أو النموذجية" التي تبدو للمخيلة مختلفة جداً
ولكنها متطابقة بالنسبة للمنطق . وهذا ما نجده في التشبيه الكلاسيكي
للعيون بالنجوم أو للنجوم بالعيون . كالبيت الذي ينسب الى أفلاطون
"أرغب في أن أكون الليل / لأرى نومك بألف عين".
وهناك نموذج "فكرة الزمن المتدفق" مثلما ترد في ابيات
مانريكي "حيواتنا هي الأنهار / التي تجري لتصب في البحر / الذي هو
الموت" .
ويوجد نمط آخر من الإستعارة هو "الحياة كحلم" التي
تجسدها عبارة شكسبير "إننا مصنوعون , كما الأحلام , من المادة نفسها" .
ويذكر بورخس نمطاً آخر من الإستعارة يجمع بين فكرتي النوم والموت كما
في عبارة هوميروس "حلم الموت الحديدي" أو عبارة "الموت هو الليل
المبكر" ولأن الإستعارة "تحرّض المخيّلة" فيمكن –برأي بورخس- إبتكار
إستعارات جديدة ومختلفة .
وفي مجال "فن حكاية القصص" يشير بورخس الى أن الشاعر لم
يكن –برأي القدماء- خالق نغمات غنائية وحسب , بل يعتبرونه راوية حكايات
تتضمن الأصوات البشرية "أصوات الشجاعة والأمل" التي تتواجد الى جنب
الغنائية ,, والتأمل , والكآبة . وقد تجسدت تلك الحكايات في نموذج
الملحمة .
فإلياذة هوميروس هي "قصة الرجل الغاضب" أو قصة "الرجال
المدافعون عن مدينة يعرفون مصيرها مسبقاً , مدينة آخذة بالإحتراق" .
وملحمة الأوديسة تجعلنا نفكر بأننا نعيش "في صحراء وأن
بيتنا الحقيقي هو في الماضي أو في السماء , أو في مكان آخر , وإننا
لسنا في بيتنا مطلقاً" .
وهناك قصة الأناجيل الأربعة فالبعض يجد فيها قصة رجل ,
أو إله , يحاول أن يكفر عن خطايا البشرية والبعض الآخر بعتقد بأن الرب
أراد أن يعاني كإنسان ليعرف العذاب البشري ولكن غير المؤمن يرى فيها
"قصة رجل يعتقد إنه إله , ثم يكتشف في النهاية إنه ليس سوى بشر , وأن
الرب , ربه , قد تخلى عنه" .
وإستمرت القصص الثلاث –قصة طروادة , وقصة أولسيس , وقصة
يسوع- لقرون عديدة , ورويت مرات كثيرة , وقد تعاد كتابتها بعد ألف سنة
أو عشرة آلاف سنة , برأي بورخس.
وفي هذا الصدد يعتبر عودة إندماج رواية القصص وغناء
الأشعار أمراً بالغ الأهمية لإنبعاث ملاحم جديدة تبقى في ذاكرة الأجيال
القادمة .
فالرواية , برأيه , أخفقت في تحقيق ذلك . فنحن , بالرغم
مما قيل من اشياء كثيرة عن الشخصيتين في رواية "يولسيس" لجويس , إلا
أننا لا نعرفها مثلما نعرف شخصيات دانتي وشكسبير , على الرغم من
معرفتنا القليلة بأوضاعهم .
ويعتقد –بورخس- بأن البشر لا يتعبون أبداً من سماع
وحكاية القصص , وإذا ما رافق ذلك شيئاً من "كرامة الشعر وجدارته"
فسيكون ذلك منجزاً عظيماً . وهو متفاءل بعودة الملحمة وعودة الشاعر
خالقاً من جديد .
وفي تناوله لمشكلة الترجمة الشعرية يشير –بورخس- الى
أننا نحتاج –في هذا العصر- الى الترجمة الصحيحة بسبب إنشغالاتنا التي
تمنعنا لأن ندرس مثلما فعل رجال العصر الوسيط , أو عصر النهضة , أو
حتى القرن الثامن عشر . وربما سيأتي يوم يكون فيه إهتمام البشر قليلاً
بأحداث الجمال وسير حياتهم وسينحصر إهتمامهم بالجمال لذاته .
أما الموسيقى فإن –بورخس- يعتبرها بناء لا يمكن أن
يتجزأ , وهي لغة نفهمها ولكن لا نستطيع ترجمتها . أما الكلمات فتبقى ,
برأيه , لغة الحياة الحقيقية وهي مركبة بطريقة تؤمن فيها حلولاً لحاجات
عملية , ولكن الشاعر يحولها الى "شيء سحري" تدوّي اصداؤه لسنين طويلة .
أما اللغة فهي ليست مثلما يحدد المعجم كونها من "إختراع
أكاديميين ولغويين , بل جرى تطورها عبر الزمن , عبر زمن طويل , من قبل
فلاحين , وصيادين , وصيادي سمك , وفرسان" وهكذا تتطور وتتبدل الكلمات
بحسب حاجات الشعوب وهي تنبثق من الحقول , والبحار و والليل والفجر .
ويبقى المعنى , برأي بورخس , شيء يضاف الى القصيدة .
فجمال القصيدة يسبق التفكير في معناها . وهناك الكثير من القصائد
الجميلة التي يكمن معناها في المخيلة وليس في العقل الذي لا يكون لها
فيه معنىً . وقد تكون مثل هذه القصائد غير معقولة وغرائبية ولكنها
تجعلنا نشعر بأن وراءها عاطفة حقيقية .
وعن معتقده كشاعر يعتبر – بورخس – "كل النظريات الشعرية
مجرد أدوات لكتابة القصيدة , أفترض إنه لا بد من وجود معتقدات كثيرة ,
بقدر ما هنالك من أديان أو شعراء" .
كما إنه يعتبر نفسه قارئاً تجرأ عى الكتابة , وأن ما
قرأه أهم بكثير مما كتبه "فالمرء يقرأ ما يرغب فيه , لكنه لا يكتب ما
يرغب فيه , وإنما ما يستطيعه" . وهو لا ينسى ذلك اليوم البعيد من
طفولته حيث كان يسمع صوت أبيه وهو ينطق بكلمات قصيدة "أغنية الى
عندليب" لكيتس "تلك الكلمات كانت بالنسبة لي نوعاً من الكشف . مما لاشك
فيه أنني لم أكن افهمها" .
لقد غيرت تلك الكلمات فهمه للغة نفسها يوم كان يعتبرها
مجرد قول للشكوى أو التعبير عن كونه سعيداً أو حزيناً ولكن سماعه لتلك
الأبيات جعلته يعتقد بأنه "يمكن للغة كذلك أن تكون موسيقى وعاطفة" .
ومن هناك إكتسبت علاقته باللغة والشعر فرادة ميزت
أعماله الإبداعية المختلفة "الحدث المركزي في حياتي كان وجود الكلمات ,
وإمكانية حياكة الكلمات وتحويلها الى شعر" .
وهذا ما جعله يعتبر أسلوب "الصنعة المنمقة" خطأ في
الكتابة وعلاقة غرور قد تدفع القارئ الى إعتبارها عيباً أخلاقياً لا
يجد مبرراً يدفعه لتوقير أو تحمل الكاتب الذي صاغها بهذا الشكل .
وهو يعتقد بأن الكاتب الحقيقي هو من يخلص لمخيلته
وأحلامه "ليست هناك متعة في رواية القصة مثلما حدثت واقعياً . علينا أن
نبدل الأشياء حتى لو بدت تافهة" , وبالنسبة للعلاقة بين الزمن والإبداع
فإن –بورخس- لا يميل الى المعيار الزمني في التعامل مع النص أو إستخدام
قياسات التقادم في تقييم الكتابة . بل هو يميل الى الفكرة القديمة
بالتعرف على كمال الفن المتقن دون الإهتمام بالتواريخ وزمن الإنجاز .
وهو بهذا إنما يريد التأكيد على السرمدية في الجمال
مثلما كان في ذهن كيتس عندما كتب "الجمال متعة الى الأبد" ومثلما هي
كذلك سوناتا بورخس نفسه حول سبينوزا التي إختتم بها محاضراته الساحرة
تلك .
Kadhim1985@yahoo.com
|