عن رواية اللا سؤال واللا جواب لـ فؤاد التكرلي

 بين مُثِل أفلاطون ومخشلات كروازة الذهبية

 

كاظم الواسطي

 

إن الأزمات التي تعصف ببنية مجتمع ما، تكون لها إنعكاسات مؤثرة على نفوس وسلوكيات الأفراد والجماعات في تلك المجتمعات.

فتوازنات العيش وطرائق الحياة داخل المجتمع تخلق نوعاً من الموائمة النفسية للأفراد مع الواقع المعيش، يتحدد بموجبها شكل العلاقة بينهما ومدى إستجابتها للأخلاقيات العامة التي تنظم الواقع الإجتماعي. 

وعندما تقع الأزمة يتعرض نسق هذه العلاقة للإختلال والتصدع، فتظهر السلوكيات الغريبة وردود الأفعال المختلفة التي تعبّر عن إضطراب النفوس وما يعيش فيها من قلق يسببه تداعي التوازنات والدخول في متاهة الأزمة.إن حالة الحصار المحلية والدولية التي تعرض لها العراق في تسعينات القرن الماضي وما سبقها من حرب مجنونة إستمرت لثماني سنوات، تركت ندوباًً عميقة في حياة العراقيين نتيجة ما أصابهم من فقرٍ وتردٍ في المجالات الصحية والخدمية المختلفة، حيث إزداد الفقراء فقراً، وطحن الحصار نفوسهم وعظامهم، وتعرضت الطبقة الوسطى  في العراق لمعاناةٍ وتشويهاتٍ مدمرة.

في أجواء تلك الأزمة تدور أحداث رواية "اللا سؤال واللا جواب" للروائي العراقي فؤاد التكرلي – الصادرة عن دار المدى عام 2007- :

عبد الستار حميد – مدرِّس في أواسط الأربعينات من العمر – تضطره ظروف الحصار وحالة البؤس التي تعيشها العائلة للعمل سائق تاكسي، يملكها شخص آخر – أبو سلمان- يجوب شوارع بغداد لساعاتٍ متأخرة من الليل.

وفي إحدى الليالي يصعد معه شخصٌ مخمورٌ بهيئةٍ مريبة، وحال وصولهما الى المكان المتفق عليه يشعر بحدوث شيءٍ ما افقده توازنه وشوش ذاكرته. وصل الى البيت بصعوبة بالغة، وللحظة إستغرب وجوده في مكتبة والده المتوفي وهو لا يدري ماذا كان يريد أو الدافع لوجوده هناك، فضلاً عن عدم تعرفه بسهولة على زوجته.

وفي فجر اليوم التالي تعرض لنوبة كابوسية غريبة، حيث يجد نفسه منكمشاً في زاوية الغرفة، يرتجف بشدة على الأرض الباردة وبأنفاس مكتومة. وبعد اليقظة يحاول أن يجد تفسيراً أو سبباً لذلك. تذكّر ما كان يفعله والده – استاذ اللغة العربية والمثقف المولع بقراءة الكتب – بوالدته "تلك المخلوقة البالغة الضعف" عبر إعتداءاته المتكررة عليها، بدون أن يعرف عبد الستار – إبن الرابعة عشرة – سبباً لتلك المعاملة "الوحشية" التي يقوم بها والده .. أستاذ اللغة العربية.

وكل ما كان يفعله عبد الستار بمواجهة ذلك هو الإختفاء في زاوية نائية من الدار، يرتجف خوفاً وخزياً دون أن يستطيع التدخل .. "أيجب أن أعاقب، بعد كل هذه الأعوام، لأني لم أتدخل".

ثم يأخذه التفكير المضطرب الى زوجته – زكية - :

إبنة عمته التي إرتبط وإياها بعلاقةٍ حميمةٍ منذ الطفولة ولكنها رضخت لطلب الزواج من شخصٍ آخر، وتركته مهموماً ومصدوماً بتصرفها ذاك. وبعد وفاة زوجها عادت إليه مع إبنةٍ لها طالبةً المغفرة، فقبل الأمر وصارت زوجةً له.

قد يكون هاجسه في إحتمال أن تمارس معه الدهاء والخبث سبباً في حالته الكابوسية .. وتستمر التساؤلات والصراعات الداخلية تتنازعه دون أن يصل الى نتيجة "لعله الإرهاق، ولعلها طريقة حياتنا بالغة التعقيد التي نعيشها هذه الأيام. الحرب، الحصار، الجوع، الفقر، المستقبل الأسود، الوقوف منفرداً أمام العاصفة".

ولكن تفسيره هذا لا يصمد كثيراً إزاء إحساسه بأنه يجهل كل شيء، وبأن طاقته على التحمل تكاد تنفذ "إنني في موقف اللا سؤال واللا جواب".

وتستمر نوباته الليلية، ورضخ لطلب زوجته بربط يديه الى جسده قبل النوم كيلا يسبب لهما الأذى مثلما حدث في واحدة من تلك النوبات، وقيامه بضرب الحائط بهما والتسبب في حدوث بعض الرضوض.

وعلى الرغم من حالته هذه يستمر في العمل ليلاً بالتاكسي  ليتدبر قوت اليوم لعائلته. باع الكثير من اثاث البيت ووصل الأمر الى بيع كتب والده الذي كان يفتخر بها كثيراً "لم يخطر له البتة بأن تدمير جنته الصغيرة تلك سيكون على يدي، على يد إبنه المميز".

وحين يكتشف وجود كيس "مخشلات ذهبية" بين رزمة كتب والده يستغرب الأمر ويقلق لذلك كثيراً، وتساوره شكوك بزوجته وبإبنتها، مما يسبب له متاعب نفسية أخرى. ولكن إستدعاء الشرطة لمالك التاكسي – أبو سلمان- للتحقيق في أمر سرقة كيس مخشلات ذهبية يدعي أحد اللصوص بأن سائق التاكسي قد إنتزعه منه ليلاً حفّزَ ذاكرة عبد الستار لتذكر تلك الليلة التي أوصل فيها الشخص المخمور، وبأنه قد ألقاه ارضاً وإنتزع منه الأداة التي ضربه بها. وهنا يكتشف سر وجود كيس المخشلات الذهبية في مكتبة والده.

وفي أحد نوباته الليلية يحلم بذلك اللص – عباس كروازة – وهو يضغط على خناقه... " هل تظن أن نظرية أفلاطون في المثل صحيحة... لا نماذج هناك، ولا مثل، ولا خيالات ولا بطيخ]...[ أنا عباس كروازة ولي أمرك يا قواد".

هل وضع كيس المخشلات بين كتب والده ليكون اللص عباس كروازة بديلاً عن أبيه المثقف الذي لم يترك له غير رفوف من الكتب لا قيمة لثمنها في توفير طعامٍ له ولعائلته الجائعة؟ "من يدري أن عباس كروازة أسوأ من أفلاطون أم أفضل منه".

ويبدو أن عبد الستار قد خضع لمنطق عباس كروازة وإختاره ولياً لأمره عبر التصرف بمحتويات الكيس الذهبية وشراء بيت جديد في منطقة أخرى، مقنعاً نفسه بأن كل شيء ممكن ومباح في بلدٍ تكسر فيه ظهور الناس وتنخر قلوبهم وأكبادهم في وقت يقوم به المستبد المجنون والعالم وراءه بسلبهم لحظاتهم المضيئة.

ولكن ما لم يحسبه جيداً هو أن عالم عباس كروازة ترك له كوابيسه لتكون "عالمه الثاني الذي لم يخرج منه".

وبذلك جاءت فكرة الطبيعة العدوانية في تعامل والد عبد الستار - الأستاذ والمثقف – مع زوجته ضعيفةً في بنية السرد وما آل إليه تطور أحداث الرواية، كما هو حال التفسيرات والدوافع لسلوكيات الشخصية الروائية التي لم تستطع تحديد مسار الخط الروائي لنمو تلك الشخصية بأخلاقياتها المفترضة، كمحاولة عبد الستار الإحتفاظ بكتاب لأفلاطون من مكتبة والده.

وما يخفف نقد السياقات السردية ونوع المخيِّلة التي إشتغلت ضمنها هو لامعقولية الوضع العراقي في فترة الحصار والإضطراب العقلي والنفسي الذي كان يعيشه العراقي .. خارج كل سياق.

وإستطاع الروائي الراحل فؤاد التكرلي أن يمسك بجانب مهم من تلك الفترة العصيّة على المنطق والعقل .. وحتى النقد.

 

كاتب من العراق