|
فهناك قاريء يستطيع ملء "الفضاءات البيضاء" التي تتولد عن
تلك التلميحات ويستبق , في حالات كثيرة , أحداث المحكي في غابة السرد ,
ويتجاوز فرضيات "الحس السليم" التي لا تصلح لمفهمة التخييل في الكتابة.
وهذا القاريء
– الذي يسميه إيكو " القاريء النموذجي" لا يحدد قراءته قانون يفرض عليه
طريقة معينة في القراءة تقيده داخل النص نفسه , بل تبقى لأهوائه الخاصة ,
وتجاربه –خارج النص- تدخلاتها في عملية القراءة , من أجل إنضاج الدروس
المستخلصة من العلاقة بالحياة وأبعادها الزمنية المختلفة "وهذا يجعلنا
نتحرك داخل الغابة السردية كما لو أنها مدينتنا الخاصة" .
ومثلما هناك "قاريء نموذجي" كذلك يوجد "مؤلف نموذجي"
نتعرف عليه بإعتباره أسلوباً وصوتاً خفياً معبراً عنه بإستراتيجية سردية
تأتينا كتعليمات يتحدد فهمها بقدرتنا على الكشف عن روابط النص المتعددة
التي تصبح بفضل سيرورة القراءة النموذجية صياغات خارج النص بالرغم من
أنها تمثل قصدية هذا النص .
ومثل هذا القاريء يولد –بحسب إيكو- من النص نفسه ليشكل
العصب الإستراتيجي التأويلي لهذا النص بما يتيحه له من حرية في سبر
وإستكناه أغواره العميقة .
ولذا لا يتطابق دور القاريء العادي –المنفصل عن النص- مع
دور القاريء النموذجي بقدراته التخييلية ومساراته الإستراتيجية التأويلية
–داخل النص- فالقاريء الأخير يستطيع أن يستوعب براعات "المؤلف الفعلي"
الذي يحاول بها إرباكه بجهات نظره المتعددة والموزعة الإنتماء بين المؤلف
النموذجي , والسارد , والكيانات الأخرى المدرجة في النص السردي ذاته .
ويتوضح ذلك جلياً في "مغامرات غوردون بيم" لـ -إدغار الآن
بو- حيث تتداخل مكونات النص السردي وتتبادل المواقع .
فالمؤلف الفعلي –بو- يختفي أحياناً ليحل محله الشخص –بيم-
بإعتباره مؤلفاً فعلياً وأيضاً يلعب دور السارد وكونه شخصية روائية بل
وحتى واقعية . ويبقى المؤلف الفعلي في هذا "التشابك النصي" هو "الصوت أو
الإستراتيجية التي تمزج بين مؤلفين مختلفين مفترضين من أجل إستدراج
القاريء الى قلب هذا المسرح الإنعكاسي" .
وهنا تبرز براعة القاريء النموذجي في مواصلة "لعبة البحث
عن الألعاب" بقدراته التأويلية التي يستدعيها هذا الصوت .
وقد يحتاج هذا القاريء الى العديد من القراءات لنفس النص
كي يتعرف على المؤلف النموذجي . وإن جزءاً من لعبة السرد –عند السارد أو
الشخصيات في النص- هو وجود إشارات عن اشياء حدثت قبل الزمن المروي أو
تلميحاً الى ما سيأتي .والإستذكار هنا هو "تصحيح لنسيان السارد" أما
الإستباق فيعبر عن "نفاذ صبر سردي" .
ولكن الحالتين تعملان على جعل النص سحرياً بلا واقعيته .
ولكي يعرف القاريء موقعه في النص عليه أن يخترق ضبابيته ويتعرف على زمن
السرد , إستذكاراً كان أم وجوداً في الحاضر , ومطلوب من هذا القاريء
العمل على إعادة بناء المقاطع التي يفقدها السارد , بتدخل من المؤلف ,
الذي يحاول دفع القاريء الى تضييعها .
ومثلما هو التريث في مسالك الغابة يجعلك تكتشف المزيد من
خفاياها وأسرارها , كذلك هو حال التباطؤ في السرد الذي يجعل القاريء يفكر
ملياً في جولاته الإستدلالية داخل النص , والدروس المستخلصة التي يخرج
بها منه بعد إستيعاب ترابطاته الزمنية ومكوناته السردية الأخرى .
إن "التهدئة" أو التباطؤ في السرد يوفر وقتاً للقاريء
يستنجد فيه بتجربته الحياتية الخاصة التي تنشط توقعاته لما سيحدث في النص
السردي . ويشير –إيكو- الى أن جزءاً من الإستراتيجية السردية للمؤلف
النموذجي هي معرفته بأزمنة المحكي الثلاثة " زمن الحكاية , زمن الخطاب
السردي , وزمن القراءة .
وفي بعض الحالات يتطابق زمن الحكاية وزمن الخطاب السردي
وبالأخص في النصوص القصصية التي تتميز بسرعة الأحداث وقلة الوصف . وهو ما
يطلق عليه –جونيت- "الخط التزامني" أو "المشهد" بحسب –شاتمان- حيث
التطابق الزمني يحدث في مشهد حركي لفيلم –تصفية الخصوم في ثوان- .
وفي الموسيقى يحدث تطابق تام للأزمنة الثلاثة , في حين لا
علاقة لفنون الفضاء –التشكيل والفن المعماري- بالزمن إلا ما يتعلق
بتقادمها أو ما يحتاجه "الغنى الديكوري" من زمن لإستكشاف تفاصيله , ويبقى
جمال غابة السرد , بالنسبة للقاريء , هو توحد الزمن والحلم والذكرى فيها
.
وفي باب متطلبات قراءة النص السردي يقترح –إيكو- ميثاقاً
تخييلياً ضمنياً , بين القاريء والمؤلف أو ما يسميه –كوليريدج- "تعطيل
الإحساس بالإرتياب" . وعلى القاريء , ضمن هذا الميثاق , أن يتظاهر
بواقعية ما يروى له بالرغم من معرفته بأن قصته خيالية .
وأن يتعامل معه على أنه وقع فعلاً . وهذا يمنح القاريء
فرصة التماهي مع الشخصيات داخل النص من خلال إستحضار فضاءات الواقع
الممكنة . وتبقى عوالم السرد "طفيليات داخل العالم الواقعي" وليس هناك
قانون يحدد عدد العناصر التخيلية المقبولة ويتطلب الأمر منا مرونة كبيرة
في التعاطي مع أشكال الحكاية التي تدفعنا الى تصحيح معرفتنا بالعالم
الواقعي .
ولأن العالم التخييلي أوسع من عالم تجربتنا فأنه يمتد الى
أبعد من نهاية الحكاية نفسها لمعرفة ماهو غير متوقع في سياق السرد .
ويشير –إيكو- الى أن التجول في هذا العالم له نفس طعم
اللعب عند طفل صغير . فقراءة محكي تشبه اللعب بأحصنة خشبية , ودمى ,
وطائرات ورقية . وهذه القراءة تعطي للقاريء معنىً للأحداث الهائلة التي
وقعت أو تقع أو ستقع في العالم الواقعي , مثلما يتأقلم الأطفال , عبر
لعبهم , مع القوانين الفيزيائية والأفعال التي سيقومون بها ذات يوم .
وفي تلك القراءة نهرب من القلق الذي ينتابنا ونحن نحاول
قول شيء حقيقي عن العالم . وهو ما يسميه –إيكو- "الوظيفة الإستشفائية
للسردية" التي تعطي شكلاً لفوضى التجربة .
وهناك إشارة مهمة الى دور المرويات الإعلامية الإفتراضية
في تشكيل وصياغة ملامح الواقع . فأثناء نزول الأرجنتينيين في جزر الملوين
نشرت إحدى الصحف خبر وجود غواصة نووية بريطانية متوجهة الى المياه
الأرجنتينية .
وبدأت وسائل الإعلام تتحدث عن القدرات الخارقة لهذه
الغواصة . وعندما تحركت الكتائب العسكرية البريطانية وصارت قريبة من مسرح
العمليات إختفت تلك الغواصة , وتبين فيما بعد بأنها لم تغادر مكانها
أصلاً . وكان وجودها الإفتراضي قد مهد الطريق وجعله سالكاً للكتائب
العسكرية الفعلية .
كذلك الحال بالنسبة للإعتقاد الذي إستمر قروناً بوجود
جزيرتي –سيلان وتابرون- أو نجمة الصباح ونجمة المساء. وهما في الواقع
جزيرة واحدة ونجمة واحدة , وقبول القاريء لرواية (الفرسان الثلاثة) بوجود
زقاق في باريس إسمه "سير فاندوني" سنة 1625 .
لقد كشفت الغواصة , والجزيرة , والنجمة , وزقاق "سير
فاندوني" عن قوة ميلنا الى إعطاء شكل للحياة من خلال "الخطاطات السردية"
.
يقول أمبرتو إيكو "إذا كانت العوالم السردية تمنحنا راحة
كبرى , فلم لا نحاول قراءة العالم الواقعي بإعتباره رواية ؟" . وفي هذا
الواقع الكثير من التعقيدات والمتناقضات الحقيقية التي تجعل القراءة
السردية لها أكثر غنىً وديناميكية من عوالم السرد التي تتشكل , في أحيان
كثيرة , من الوهم .
وقد يكون الأمرأكثر متعة وطمأنينة عند المزج بين الواقع
والسرد "قراءة الواقع بإعتباره تخييلاً وقراءة التخييل بإعتباره واقعاً"
. إن إستعانة السرد التخييلي بالعالم الواقعي وجعله يتداخل مع مكونات
التخييل غير الواقعية أو العجائبية يعزز لدى القاريء الإعتقاد بالوجود
الحقيقي للشخصيات والأحداث التخييلية –مازال أكثر الناس يعتقدون بالوجود
الفعلي لشارلوك هولمز- .
وقد يكون لعمل تخييلي ما تأثير أقوى من الحياة نفسها وذلك
لقدرة المؤلف على تشكيل وتنظيم بناءاته الداخلية بحرية تجعلها أكثر
تماسكاً من فوضى الواقع . إن إستمرار نسج الحكايات عن "نظام الهيكليين"
الذي دمره فيليب لوبيل في بداية القرن الرابع عشر , وعن جمعية "وردة
الصليب" التي ظهرت في القرن السابع عشر , وظهور "الماسونية" في القرن
الثامن عشر . وعدم تصريح أعضاء بعض هذه التشكيلات بإنتمائهم إليها لأسباب
تدخل في باب الأسرار , بالإضافة الى غياب اي دليل على وجودها يدفع إيكو
للإرتياب بوجودها الفعلي , وإنها إستمرت بقوة "البناء الروائي" لها والذي
عززته كتب السحر والتنجيم الكثيرة . التي ما زالت موجودة في زماننا هذا ,
بالإضافة الى لعبة التحالفات والصراعات السياسية – إنزعاج فوشي من
إتصالات نابليون مع الجالية اليهودية وتسريب عملائه لرسالة توضيح تأسيس
الماسونية من قبل اليهود وتسربهم الى كل الجماعات السرية- .
ويشير إيكو في هذا الصدد الى "أن الإجتماع الماسوني الذي
إخترعه ألكسندر دوما ودمجه أوجين سو ضمن المشروع اليسوعي ونسبه بعد ذلك
الى نابليون الثالث قد تحول الى خطاب حقيقي للحاخام الأكبر , ليظهر بعد
ذلك , في أشكال متنوعة وأماكن مختلفة" .
ويؤكد إيكو على وجود أصل روائي لـ "بروتوكولات حكماء
صهيون" فلا يمكن , برأيه , وليس معقولاً أن يعبر الأشرار عن مشاريعهم
الشيطانية بشكل صريح ووقح كما ورد في تلك البروتوكولات "إننا متحمسون
للقيام بإنتقام ناري مليء بالحقد ولا رحمة فيه" وبعتقد بأنها من نتاج
فرنسا القرن التاسع عشر. وأن بعض مصادرها هي الروايات الشعبية المعروفة .
لقد كانت قصتها مقنعة سردياً وصدقها الناس وما تبقى منها
يعود للتاريخ . ومن هنا يكون "للتأمل في العلاقة المركبة بين القاريء
والقصة , بين التخييل والواقع نوعاً من التدواي ضد كل تخدير للعقل يولد
وحوشاً ضارية" ويتذكر –إيكو- الربع ساعة التي قضاها في "القبة الفلكية"
حيث إطفئت الأضواء وبقى وحيداً مع سماء ترصعها النجوم وأجواء ينعشها
إيقاع الموسيقى . و هناك شعر بيوم ولادته الذي لم يعشه سابقاً . لقد كان
, في تلك اللحظات متحداً مع أصوله الأولى , ولا قيمة للحظات أخرى خارجها
"لقد عشت أجمل القصص التي لم ارها في حياتي" .
وتحولت "القبة الفلكية" الى خطاطة سردية نظمت حياة –إيكو-
منذ ولادته ومنحته راحة كبرى , فهل كان مؤلفاً فعلياً لهذا الكتاب أم
سارداً بارعاً إصطحبنا معه في نزهاته الست داخل غابة السرد على غفلة من
المؤلف .. ومن أنفسنا ؟ .
***********************
·
الكتــــــــاب : 6 نزهات في غابة السرد .
·
المــــؤلــف : إمبرتو إيكو .
·
جهة النشر : المركز الثقافي العربي 2005 .
|