مجلة ثقافية حرة  بإشراف يحيى البطـّاط  صدرت أول مرة في 28/11/2003

 

محيي الأشيقر : طائر عراقي شُكِلَ جناحه بدبوس المنفى

كاظم الواسطي

 

بين فترة وأخرى ، وأن تباعدتا بعض الوقت , يخرج إلينا الكاتب العراقي محي الإشيقر بنتاج قصصي أو روائي يكسر به جدار ثلجه الإسكندنافي، ويرفع شرشف ضوئه المبتلى بحبر المنفى، حيث عاش لثلاثة عقودٍ بعيدا عن دروب بساتين طفولته في مدينة كربلاء ، وعن أحلام شبابه الأولى في فضاءات بغداد , ودفء صداقاتها المكتنزة بالقراءة والتجوال ومساءات النهرالمضاءة بأرواحنا المشاكسة للظلام .

هناك، حيث تنعدم تدرجات الوقت بضراوة الليل والبرد، ويصير الغد إمتداداً لبقعة الحبر تلك وهي تشرك نهار اليوم بليله الطويل ،

 يصطاد الإشيقر صوره وتذكاراته بأدوات يطيل العناية بها لفض ضباب حاضره، والدخول بقوة الى مساحات ذاكرته الفسيحة، ليفخر من طينه الأول أشكالاً تبدد صقيع المنفى، وتقاوم مخاطر النسيان. وتجسّدس ذلك فيما قدمه لنا من نحتٍ دقيق ومركز لحركة وحياة شخوصه وهم يواجهون أسئلة الحيرة والقلق وإضطراب الروح في منفى لا أفق له . وقد ضمّن ذلك في معظم كتاباته , كمجموعته القصصية " أصوات محذوفة " كوبنهاكن 1994وروايته  "  كان هناك" كوبنهاكن عام 1997. و مجموعته القصصية – موضوع مقالتنا- "سوسن ابيض" القاهرة 2008.

تروي لنا قصص هذه المجموعة صوراً وأحوالاً وحيوات تتأرجح تعبيراتها بين "فرح الفيروز" و " شغف الياقوت" خارجة بتدفق الروح و حرارتها من إختبائها الطويل في الصقيع الإسكندنافي لتنصهر في عقولنا الساخنة أحلاماً ورؤى وذكريات تبحث عن أرضها الضائعة في مكان آخر.

وحينما نحاول الإمساك بالمعنى أو الدلالات الكامنة وراء تشكلها الظاهري نكتشف عمق التداخل وتعدد المعاني في حركة شخوصها وهي تتغذى من ذات النسغ المخفي في الأعماق، وهذا ما يخفف إحساسها بالفقدان، ويفتح على عزلاتها منافذ جذر مشترك، يعادل فيها مشهد الإقتلاع واللا تكيف.

ففي قصة "نار لائذة بالخزف" تتداخل الأسماء والهويات في الذات الواحدة –(فِهر) هو (رسول)، و(بيّا) هي (هالة) و(يُتا) الإسم الآخر لـ (فيّ)- ونكتشف في طبائع تلك الذوات حجم مساحة العذاب التي يعيشون عليها بين واقعين مختلفين.

فها هي العلاقة العاطفية المتوهجة بين( فِهر) و( بيّا ) تنطفأ على تلك المساحة ، هو محموم بكتابة الرسائل الى اصدقائه البعيدين .. يُعيد قراءتها مرات عديدة حتى يستنفذ الغرض من مذاقها وجوهرها، ثم يضعها في أعلى خزانة ملابسه مع الورود المجففة، وهي مسحورة بسماع آلة العود الذي "يجعل صوتي أكثر نضارة وجسدي أزيد بهجة".

وتبقى لحكمة الجدات البعيدات وقعها المؤثر في نفوس المغتربين : "إذا كنت في غير قومك فلا تنسى نصيبك من الذل". وفي "كآبة بيضاء" يحتفظ اللاجئ بشرشف يطلق عليه إسم "الحديقة" .. لأنها كلمة يحبها "هو الشيء المتبقي معه مصادفة من بلاده".

وعندما يتعرض لحالة من الكآبة البيضاء يفرشه على الأرض ويضع عليه بعض حاجياته الأساسية ويتركه في باب البيت الذي يسكن فيه ويغادر .. يفعل ذلك من أجل أن يوهم نفسه عند العودة بأن أباه جاء لزيارته، وحيث لم يجده ترك له هذه الحاجيات.وفي أحيانٍ يعتمره متجولاً في أرجاء البيت "توسلاً لشذى ليلة من كتاب الصداقة".

وحتى رائحة القار تبقى طيبة حينما يتذكرها وهي تتصاعد هناك من إحدى زوايا ساحة مدرسته الإبتدائية.

وفي "الدور الأخير" يتدرج رجل الأمن (بجير) بكل المراتب والإمتيازات، ويمارس التمويه بغطاء الكثير من المهن والأعمال من أجل جمع المعلومات عن الجماعات السياسية المعارضة، ووصل به الأمر الى تقمص دور شحاذ أعمى "خلقت لديّ هذه الشخصية شروخاً عميقة وإحساساً متواصلاً بالشفقة والإحتقار لنفسي".

ولكي يكون "صديقاً للرئيس" بقي بلا زوجة أو اصدقاء، ومجرد أداة لتنفيذ ما يطلبه مسؤولوه "مسؤولي هو من يعرف كل شيء".

وأمر أخيراً بتقمص دور إمرأة، تدرب عليه في بيت ضج بالنساء المؤجرات لهذا الغرض. وفي زيارة مجون عابثة يداهم رجال الأمن البيت، ويكون هو من حصة مسؤوله الذي إكتشف جنسه، وطعنه بمدية عطلّت ذكورته غير مبال بصراخ (بجير) للتعريف بهويته.

وفي لقاء لاحق مع (الرئيس) يخبره الأخير بأن مهمته قد نجحت .. وهو يستحق عليها تقاعدين، مرة كرجل وأخرى كإمرأة.

وفي السويد يخضع لجلسات معالجة نفسية على كرسيه الخاص بـ "المعطوبين" أمام ناشطة إسكندنافية ومترجمة عراقية فيلية سبق وأن بطش وإعتدى على بنات وأبناء قومها!!

وتتناول قصة "حسب رغبة "إنغمار" " حالة لاجئ في محطة القطار يرغب بالسفر الى اقصى الشمال للخلاص من القلق والإضطراب. وفي وحدته تلك تتداعى في ذهنه صور لقاء مع الشابة الجذابة التي رآها في المحطة.

وفوق لسانٍ صخري على البحر يخبرها بأنه موجوع ويشكو من ألم بسبب دبوس شكل أسفل جناحه. وعندما إنتزعت الدبوس "أطلق صرخة وراح ينكسر ويتفتت الى أجزاء من صلصال وريش وزهور وأعشاب يابسة .. وإختفى في الحال". بعدها يعود الى نفسه وهو جالس على مقعده في القطار، يستمع الى تعليمات السائق "إنغمار".

أما "فاكهة الغرباء" فهي قصة عراقي يهرب من جحيم الحرب "التي تعفنت بنا وبأشلائنا وأعمارنا .. شبعت من موتنا وراحت تتقيأ بنا وعلينا"، ليقوم بتهريب جلود الحيوانات النادرة من روسيا، ويتنقل بين مختلف الدول للتجارة وعقد الصفقات غير المرخص بها .. وهو إذ يصف حال العراق يومذاك بتخيله بشخصه هو بدل الخارطة والخيال "إن رأسي مقطوع ومعلق على الباب العالي وأقدامي مهروسة أسفل دبابة بصحراء الجزيرة العربية، وذراعي الأولى مركبة على بدن شحاذ تدور في شوارع طهران بحثاً عن صدقة، والثانية مقطوعة ومحفوظة بثلاجة جثث برقم خاص في مستشفى حيفا بإسرائيل".

ذلك ما فعلته الدكتاتورية بجسد العراق وتلك هي ملفوظاتها السامة التي حرمت الناس من فرص الحياة العادية والعيش بين الأهل وتذكارات الطفولة التي تحفظ توازن الأشخاص وتمنعهم من الإنزلاق على حافات لم تكن يوماً ذات علاقة بأحلامهم وإيقاع حياتهم، فتركوا هناك نهباً لمواجع الروح وصقيع المنافي في رحلة توارت بعيداً محطتها الأخيرة وإنصهرت أحلامهم على "أرضٍ توحي بأنها من شمع ذائب".

ويبدو أن مااراده الأشيقر من عنوانه ذي الدلالة الجامعة لقصص المجموعة ، هو هذا المشترك في حياة المنفيين أو اللاجئين – كما يفضل تسميتهم بسبب إهتراء كلمة ( المنفى ) من كثرة الإستخدام كما هو حال كلمة ( وطن ) – في بلاد البرد والصقيع ، حيث مثلهم مثل زهرة السوسن التي ، رغم تحملها للظروف الصعبة ، تحتاج إلى جو مشمسٍ تنمو في ظله .. وأن مشكلتها الكبرى تكمن في جذورها التي تتعفن في التربة غير الملائمة . وهو إذ يفتح نوافذ روحه على تذكارات بلاد الشمس .. بلاده، كأنما يذيب بضوئها ما جمّده الصقيع على تلك الجذور كيلا يذبل سوسنه الأبيض .