مجلة ثقافية حرة

 

   

 

محاولة ... في إدراك الأنظمة

بقلم: خالد خضير

 رغم اكتضاض لوحة هناء مال الله بما تسميه الوحدات الصغرى (عناصر اللوحة) إلا أن لوحتها تتوفر على جانب اختزالي شديد ومتنوع أخطره ذلك حينما اختزلت اللون إلى أدنى حدوده، والأشكال ادنى حدودها، فأبقت ذات الوحدات الصغرى مهيمنة كوحدات بنائية للوحتها :كالمربعات والدوائر والنقاط والثقوب والمثلثات المقلوبة، وقامت ببنائها وفق ما يشبه جدولة سطح اللوحة، وبما يشي

 بوجود نظام معرفي قائم على مرتكزات هندسية منطقية وحسابية تماثل نظام الاوفاق أو مستمدة منه، تعتبره الرسامة مسارا تتنافذ فيه منظومات متعددة: الأشكال المرسومة والكتابة والأعداد، كما تعتبر الرسم (قاع أنظمة التعبير)، وهو ما حاول شاكر حسن آل سعيد البرهنة عليه في كتاباته المتواصلة وعلى الأخص كتابه الأخير (البحث في جوهرة التفاني بين الأنا والآخر) الذي صدر في الشارقة 2003 ،إلا أن التطورات اللاحقة لهذه الفكرة على يد الرسامة الناقدة والأكاديمية هناء مال الله انتهت إلى عملية إبدال، أي "إحلال القيمة الزمانية للأشكال المحكية، أي أصوات الأبجديات الحسابية: الأعداد"1، أي إبدال معطيات بأخرى حيث تلعب (الشروحات) التي هي معطى خارجي (غير بصري) دورا ضخما في ذلك.

إن النظام الذي ترتكز إليه تجربة الرسامة هناء مال الله مبني بناء منطقيا صارما ويستقرأ نظام التربيع الذي ظهر في فخاريات سامراء كمرحلة سبقت ظهور الكتابة المسمارية ، في حدود 3200 – 3000 ق.م ، واعتبرها الناقدان آل سعيد وهناء مال الله نظاما كتابيا مبكرا ، حيث "أدى اكتشاف النظام الزخرفي بالإنسان إلى استخدامه في الكتابة بشكل أو بآخر .. معتمدة على الشكل المثلث الذي كان أول شكل من أشكال الحروف واصغر وحدة"2 ، حيث "يظل الجدول ألا وفاقي هو الهيكل التجريدي للغة الأسطورة .. والصيغة الملائمة لتحقيق التوافق التدويني ، أي إحالة الصوت بهويته الزمانية إلى أعداد ذات قيمة مطلقة"3 ، واتخاذ "منزلته بين الأبجديات ألما ورائية الأخرى كالمندل وتحضير الأرواح والكرامات الصوفية .."4، بيد أن (رتابة) البناء الهندسي (الجاف) المماثل لهندسية البلاطات المرصوفة للأرضيات الذي تتبعه الرسامة هناء مال الله (يضطرها) إلى إخضاعه لرؤية فنية ذات حيوية متحررة من خلال إبراز عملية التآكل (التعرية) التي تطال ذلك المعمار الهندسي وتلك الجدولة في صميمها وتمنح اللوحة حيوية من خلال (كسر التوقع) بخرق نسقية أو تراتبية الرصف المتماثل للوحدات الصغرى وأيضا من خلال الثقوب والخروق وتآكل أطراف اللوحة الذي يمثل مرحلة ما بعد، أو خرق، أو ربما تخريب التراتبية الهندسية، فكان تآكل أطراف اللوحة دافعا قويا لإلغاء الإطار الذي يعمل على إيقاف التداعي في أطراف اللوحة، وهو أمر واضح تماما في (المعلقات) ، أي اللوحات المعلقة في السقف، والمرسومة من الوجهين والتي تملؤها الثقوب والخروق الواسعة التي تواشج بين اللوحة وبين الفضاء الذي أمامها وخلفها وهو ما يحول تلك اللوحات إلى (نصب) نحتية تشغل فضاء يماثل فضاء المنحوتات والنصب المثقوبة ثقوبا غائرة فتوحّد الفراغ أمام وخلف اللوحة، وبذلك تبرهن هناء مال الله على موقفين قد يبدوان متناقضين، من وجهة النظر السطحية، إلا انهما متكاملان في الحقيقة: أولهما ، محاولة بناء لوحتها بناء منطقيا وحسابيا و"الالتزام بنظام شكلي صارم داخل العمل وهندسته"5، وثانيا، البرهنة عمليا على أن البناء الصارم ليس كافيا لخلق (لوحة) تمتلك حيوية تشد المتلقي وتمتثل لشروط الحداثة من خلال توفرها على تكنيك عال في معالجة الأشكال والألوان وعملية (صناعة) اللوحة ، وهي شروط تهيمن على الرسم العراقي حاضرا، وكذلك هي تفترض شرعية هيمنة البعد (الشيئي) للوحة حيث يكون "كل سطح تصويري انجز ذاته على صعيد المادة الخام" فينتج أسئلة جديدة ، ويتطلب أعمالا (=حلولا) جديدة؛ وقد يسمح ذلك بالتوسع بالفكرة للوصول إلى استنتاج يعتبر منجز هناء مال الله برمته امتدادا لأسئلة طرحتها (أجيال) سابقة منذ الستينيين وحتى هناء مال الله ذاتها ، وهي أجيال سعت إلى تحديث الرسم العراقي بعد الخمسينات وابرز هؤلاء – عندما نتحدث عن هناء مال الله – شاكر حسن آل سعيد الرسام العصي على التصنيف الجيلي والتحقيبي ، و أخصه دون غيره باعتباره يمثل هنا المقدمة الأولى لفن (محيطي – لغوي) من نمط خاص.

 

 

يثور تساؤل مهم هنا: هل بدأت لوحة هناء مال الله تدخل مرحلة من التنميط الناشئ من محدودية عناصرها أو ما تسميه (الوحدات الصغرى) للوحة والتي لا تتعدى جدولة السطح والثقوب والدوائر والمربعات والمثلثات المقلوبة المرصوفة هندسيا من خلال نظام حسابي اشتغلت عليه الرسامة وأسست عليه منجزها وبسطته في رسالتها العلمية التي نالت بها درجة الدكتورا في فلسفة الفن من جامعة بغداد، وطرحت فيها نظاما منطقيا خفيا في الرسم مماثل لذلك الذي تأسس عليه النحو العربي ، فكان هذا التنميط، في جانبه البصري (=الشيئي) مقيدا، بدرجة أو بأخرى، لحركة تقدم منجزها إلى الأمام، فالتقدم يتطلب توفير درجة من (الانقطاع) الضروري بين لوحة وأخرى ليتحرك المنجز بتقدم مضطرد دافعا نفسه إلى مواقع جديدة ضمن المساحة التي تشتغل الرسامة ضمن مدياتها، وهي  حركة بدأت تستشعر، ربما بطيئة، خلال المعارض الأخيرة للرسامة، الأمر الذي يحتم عليها تفعيل آليات (صنع الأشكال) إن صحت التسمية، واعادة النظر في توجه الرسامة نحو باليتة عمادها اللونان الأسود والأبيض وتدرجاتهما مع ضربات ضئيلة من لون ثالث لا يؤثر على الطابع اللوني الأحادي إلا قليلا، حيث كانت تتجه إلى نمط من الرسم التقليلي: تقليلا في تنوع الأشكال وفي كبح الثراء اللوني، الأمر الذي كان يعتبره الناقد فاروق يوسف (موتا للرسم) بالاتكاء على الفعل الذاتي للمادة ومستحثات نسيجها الفض، وهو ما دفع الرسامة في كلمتها المدونة في دليل معرضها العاشر هذا الذي أقيم في العاصمة الأردنية عمان في قاعة الأندى خلال تشرين الثاني من هذا العام 2005 ، إلى الاعتراف بأن "الوجد للمواد الخام" ليس كافيا، إلا أننا نعتقده ضروريا، كما لا نعتقد بوجود تناقض بين أن يكون الرسام تجريبيا بصفة مستمرة ومرتكزا على ما يسميه آل سعيد شيئية اللوحة (متيرياليتها) وبين الطموح إلى جعل اللوحة (قاعا لكل المنظومات) المعرفية طالما كانت اللوحة ممتثلة لشروط كينونتها وحداثتها، وهو ما حاولت هناء مال الله تحقيقه، وبرأينا، نجحت في ذلك ، فنجحت في تأسيس خط حداثي (جديد) في الرسم العراقي ...


 

1  شاكر حسن آل سعيد، جوهرة التفاني بين الانا والآخر ، الشارقة 2003 ، ص 153

2  آل سعيد، السابق ، ص 157

3  آل سعيد، السابق، ص 158

4  آل سعيد، السابق، ص 158

5  كل الاقتباسات غير المشار اليها هي من كلمة الرسامة في دليل معرضها العاشر الذي اقيم في دار الاندى خلال تشرين الثاني 2005



 

 

خالد خضير: فنان تشكيلي وناقد من العراق