|
أو
قصاص بسبب المناخ الشعري الذي يسيطر على العراق وكانت كلمة
شاعر تحمل نوعا من القدسية، ومن هذه المفارقات غير المخطط لها
وجدت نفسي أكتب الشعر وألقيه في المناسبات وكنت في حينها
مسحوراً ببدر شاكر السياب وبقرويته. وفي التسعينيات وجدت نفسي
مع مجموعة من الشباب المتحمسين في بغداد ننتقد التجارب الشعرية
لجيل الثمانينيات ونتهمها بأنها محملة بالحشو اللغوي والتراكيب
المعقدة ولا تحمل أي روح وأصدرنا مجموعة شعرية مشتركة حملت
عنوان (الشعر العراقي الآن) وكتبنا فيها قصائد نثر غير معقدة
ولاقت هذه المجموعة شهرة كبيرة في العراق، وبعدها أصدرت في عام
1997 مجموعة شعرية بعنوان (خطر) مطبوعة بطريقة الاستنساخ التي
ابتكرها أدباء جيل التسعينيات، وكانت أغلب قصائد هذه المجموعة
تكشف المخاطر التي يعيشها البلد وضيق أفق الحرية في العراق،
وهذا الديوان هو الذي تسبب في دخولي الأوساط الأدبية بقوة،
خاصة، وبعد هذه التجربة صدرت لي عن دار الشؤون الثقافية في
بغداد مجموعتي الشعرية الثانية وحملت عنوان (عواصف قروية) وقد
تعرضت قصائد هذه المجموعة إلى تشويه كبير بسبب رفع الرقيب لبعض
الجمل التي اعتبرها تنتقد الحكومة السابقة، وكنت في قصائد هذا
الديوان أتحدث عن معاناة مجتمع الأهوار بعد تجفيف مساحات واسعة
من المياه، ولكن بعد سقوط حكومة صدام أعدت قراءة تجربتي
الشعرية بعين نقدية فاكتشفت أن الكثير من قصائدي كتبت في لحظات
انفعال وكانت تسعى لتكون صوتا معارضا لسياسة النظام السابق
والأهم من ذلك وجدت أن جميع الأصوات التي تكتب قصيدة النثر في
العراق هي أصوات متشابهه ولا يوجد شيء يميزني، وهذا ما جعلني
أتفرغ كليا لمشغلي الروائي.
(أنفي يطلق
الفراشات) 1992
هذه الرواية القصيرة التي صدرت عن دار (ألواح) الإسبانية حملت
الكثير من مؤثرات تجربتي الشخصية والشعرية، اعتمدت موضوعاتها
على طاقة عالية من التخيل في توصيل الفكرة والواقع الفنطازي
الذي عاشه بلدنا بكوارثه المتسلسلة وتاريخه المعاصر الغريب،
هذه الأسباب جعلتني ألجاً إلى الفنطازيا كعمل فني في كشف سيرة
بطل الرواية وهو بالنهاية رمز للكثير من أبناء جيله الذين
عاشوا الحرب والجوع والتشرد لأن الرواية تتحدث عن حياة الجنود
في المعارك فقد وصفها النقاد بأنها درس لمعرفة عالم ما زال
مخفي أسفل البساط ولا يمكن أن يعرفه غير الجنود القدامى الذين
تنقلوا بين جبهات الحرب المختلفة.
لذا اعتبر هذه الرواية خطوة أولى في مشغلي الروائي خاصة وأنني
غامرت وكتبتها وانأ في عمر الخامسة والعشرين بينما الرواية
تحتاج إلى خبرة حياتية كبيرة ومعرفة عميقة في كتابتها.
-يعتبر مجتمع الأهوار واحد من أقدم المجتمعات التي يتكون منها
النسيج الاجتماعي في العراق وخضع هذا المجتمع إلى سياسات تغييب
كبيرة ونتيجة لسعة الأهوار وبعدها عن المدن أصبح من أهم أماكن
إيواء الهاربين من السلطات والمتمردين عليها ما جعلها مصدراً
لقلق الكثير من الحكام في تاريخ العراق الحديث، ويثبت الإحصاء
السكاني لمنطقة الأهوار في خمسينيات القرن الماضي أن نفوسهم
تقدر بنصف مليون نسمة، أما آخر إحصاء لهذا المجتمع فيقدرهم بـ
25 ألف نسمة، سبب النقص يعود إلى حرمان هذا المجتمع من أبسط
مقومات الحياة في الوقت الذي بدأ الانفتاح الحضاري على الغرب
يحرك إيقاع المدينة فبدأت الهجرة إلى المدينة، ثم رافق ذلك
تجفيف مسطحاته المائية في تسعينيات القرن الماضي والتي تقدر
بــ 20 ألف كيلو متر مربع.
أنا أنتمي إلى هذا المجتمع وولدت في منطقة الأهوار التي يقدر
احتياطي النفط فيها بـ 30 مليار برميل بينما السكان لا يجدون
رغيف خبز يأكلونه. إن معرفتي الدقيقة بهذا العالم جعلتني أسعى
بجد للاهتمام به ومحاولة كشف سنوات التغييب والإبادة ولو
بطريقة رمزية في روايتي.
- لقد نسيت الرقيب أثناء كتابتي لرواية "الهروب إلى اليابسة"
وتذكرت مقولة لـ"ميلان كونديرا" يقول فيها: "على كل من يتوفر
لديه القدر الكافي من الجنون لكي يستمر اليوم في كتابة
الروايات أن يكتبها بطريقة تجعل اقتباسها متعذراً حماية لها"
بمعنى أخر طريقة تجعلها غير قابلة لأن تروى. وأنا كتبت هذه
الرواية عن مجتمع الأهوار وعن الجوانب الجمالية فيه والتي
اختفت بسبب سياسة الدكتاتورية ومن دون أن أضع أرائي الشخصية في
الرواية، علماً بأن النظام الدكتاتوري منع تداول كلمة (أهوار)
وقرر استعمال اصطلاح (الأراضي المستصلحة) في المخاطبات
الرسمية، وقد اخترت شكلاً فنيا مقتبساً عن الموسيقى والسينما،
فالرواية تتكون من حكايتين وتتوسع مشاهد الحكايتين على امتداد
عالم الرواية فبإمكان القارئ أن يقرأها من أي مكان يشاء وهي
كمنظومة سردية احتملت تعدد القراءات ما جعل فاحص روايتي الناقد
باسم عبد الحميد حمودي يكتب تقريره عنها بالقراءة التي تسمح
بقبول طباعتها وهو حتما كان يعرف أنني أريد التحدث عن هوية
وجمال عالم الأهوار في زمن جففت به واستقرت فيها المجنزرات
العسكرية، ومع هذه العوامل فقد دفعت روايتي للطباعة قبل أشهر
من الحرب الأخيرة، حيث أصدرت أوامر من صدام بطباعة بعض الكتب
التي تنتقده بصورة غير مباشرة ولكن تم حذف ثلاثة مقاطع من
الرواية ولم يؤثر الحذف على تسلسل الأحداث.
(الهروب إلى
اليابسة)
- الرواية تتكون من حكايتين رئيسيتين، وكل حكاية تحتوي على
أكثر من خمسين قصة فرعية، حين تختفي واحدة تظهر الأخرى
والحكاية التي تحتل مساحة واسعة في السرد هي عن شخصية (خليل بن
عويد) ومناخه الأسطوري وهذه الشخصية هي رمز للماضي البعيد،
وفيها أكشف العمق الحضاري لهذا المجتمع، كنت أهدف أن يعود
القارئ منها محملاً بمعرفيات سيسيولوجية عن تاريخ الأهوار،
وهذا الخط في الرواية جعلني أقرأ الكثير من البحوث عن الأزياء
والعادات والتقاليد التي انقرض بعضها فأنا أهتم دائماً في كشف
صورة التاريخ في كتاباتي لأن هذه الصورة تعطي قدرات لتحليل
الحاضر. يقول (كارس فوينتس): تقول الرواية ما يحجبه التاريخ،
فهي تمضي ضد التاريخ لأنها أكثر أهمية منه وغير قابلة للتزوير.
وهذا الخط الروائي يمثل الصفحات الأخيرة من الرواية ويعتمد على
الإيقاع السريع في تطور الأحداث. أما الخط الثاني في الرواية
فهو يسيطر على الصفحات الأولى منها ويتحدث عن مغامرات محمد،
وهذا الخط يمتاز بالطابع السردي المتجاور ويعبر عن الأزمنة
المعاصرة في الترتيب المنطقي لعالم الرواية، فأن الخط السردي
الأول هو جزء من الفصل الأخير، وهذا التقطيع في الأحداث هو جزء
من الخيار الفني من وجهة نظري كان ذو فائدة كبير في نجاح
الرواية.
- في لحظات التحضير لكتابة الرواية اخترت مجموعة من الأسماء
الجذابة لتأخذ مساحة بين الشخصيات الرئيسية والثانوية وكنت
معجب باسم أحد أصدقاء طفولتي والذي مضى سنوات طويلة لم أشاهده
واستخدمت اسمه الحقيقي لشخصية ثانوية، ولكن هذه الشخصيات من
تطور أحداث الرواية أجبرتني الخيارات الفنية أن أجعلها شاذة أو
لها رغبة بالشذوذ، وبعد صدور الرواية لم أكن مهتماً بهذا
الموضوع، كنت خائفاً من التأويلات السياسية، ولكن ذالك الصديق
القديم أتصل بأقربائي وهددني بالقتل لأنني جعلته شاذاً وهو
زعيم القبيلة الآن، وحين طلبت منه أن يتقدم بشكوى إلى القضاء
المدني رفض وأضطر والدي إلى أخذ وجهاء من عشائر أخرى لمعرفة
مطاليب هذا الرجل والتي حددها بإدانة لي من القبائل المتواجدة
وأن تحرق أمامهم كل نسخ الرواية الصادرة، فاضطررنا للكذب عليه
وقلنا أن نسخ الرواية احترقت أثناء قصف مدينة بغداد عام 2003
ولم يتبق منها سوى 50 نسخة، وقام هذا الصديق القديم بجمع وجهاء
من قبائل متعددة وشرح لهم كيف أنني تجاوزت عليه وأستحق
المعاقبة وقام بحرق النسخ الخمسين بحضور الوجهاء، وطلب مبلغاً
قدرة مليون دينار كتعويض مالي ولكن تمت تسوية الموضوع ولم أدفع
المبلغ المالي.
- إن الروائي الكبير فؤاد التكرلي واحد من أهم المتتبعين لحركة
الرواية العربية وقرأت له مقالات عن أعمال روائية جديدة، وهو
بما يقوم به يحاول أن يعزز الجو الثقافي لخلق صلات بين الأجيال
وهذه ميزة لا يقوم بها الكثير من الروائيين الكبار في العالم
العربي وللأسف أقول أن بعض النقاد والكتاب في العراق لم يقرؤا
روايتي إلى أن كتب عنها التكرلي، ففي كتابته عنها أثبت مدى
جديته وحرصه إزاء كسل البعض ولا مبالاتهم التي هي نتاج ثقافة
الإشاعة، لقد كتب التكرلي بأن هذه الرواية صوت متميز وسأحاول
أن أكون جديراً بما قاله مستقبلاً خاصة أن الكثير من الروائيين
الشباب يعتبرون جيل الخمسينيات في العراق والذي يمثل عبد الملك
نوري، ومهدي عيسى الصقر، وغائب طعمه فرمان، والتكرلي هو الأكثر
التصاقا بالمجتمع العراقي، وكان الأكثر قدرة من الأجيال التي
تلته في التعبير بواقعية عن مشكلات المجتمع، لذا أنحني لفؤاد
التكرلي الذي يقدم لنا أعمالاً روائية متميزة على الرغم من
تقدمه في السن.
التجريب في الرواية
العراقية
- نعم... إن بعض الكتاب يعتقدون بأن التمرد على من سبقوهم
والتجريب من أجل المغامرة ضروري، وهم بذلك يستعيرون بعض
التحولات في المشهد الشعري العراقي ويبحثون عن ريادة مشابهة
لما قدمه رواد "الشعر الحر" وهذا ما جعل الرواية العراقية تسقط
في فلك التجريب الشعري والقصصي وتتحول إلى نص، وهذا السعي بعدم
الالتزام بقوانين الرواية أتى من التأثر بتجارب الرواية
الجديدة في فرنسا، فكاتبنا دائماً ينظر لعمله من برج عاجي، لذا
انتشرت مقولات لم تعد تعمل، مثل، النخبوية، والتعالي على
القاري، ولذلك الرواية العراقية الآن وصلت إلى إشباع تقني
وشكلي. أما بخصوص عدم الانتشار عربياً، فأعتقد أن جعل الرواية
تابعة للأفكار السياسية وتسعى لأن تكون لاعب كبير في الحركة
السياسية جعلها لأن تكون بديلاً للتاريخ وليس مستثمراً له، لأن
تاريخ الرواية هو المرجع الذي ممكن أن تعود إليه النماذج
الروائية في لحظات المحاسبة، فأصبحت بضائعهم "رواياتهم" غير
رائجة عربياً. أن بعض الروائيين يعيشون في وهم السياسة بسبب
فشل أفكارهم، يخلقون شخصيات بلا ملامح كل ما تحمله هي الخطابات
والمقولات السياسية حتى أنك تحتار لماذا لا يصبح هذا الروائي
زعيم حزب ما دام أنه مؤمن بالسياسة أكثر من الرواية، فالرواية
لعبة وليس كتاب تعليمي تؤمن بالوهم والمخادعة والخيال والكذب
والتهكم من أجل فكرة أنتخبها الكاتب. الأفكار الإنسانية أصبحت
أكثر أهمية من الأيديولوجيات وتطرفها في الرواية اليوم.
المنفى
- باعتباري أحد الكتاب الذين لم يخرجوا من البلاد، أعتقد بأن
السمة الرئيسية للروايات العراقية التي صدرت في المنفى والتي
اطلعت على أغلبها ممكن أن نقول أنها روايات "هومسكية" نسبة إلى
الهومسك، وفي أغلبها نقرأ منولوجات طويلة عن الذكريات والتجارب
الشخصية، وهذه السمات العامة لم تمنع ظهور أعمال روائية متميزة
فازت بجوائز، ولكنني أعتقد بأن الروائي "علي بدر" هو الوحيد
الأكثر أهمية في المنفى على الرغم من أن أغلب أعماله كتبت في
الداخل لكنه الوحيد الذي أسس لحساسية كتابية في الرواية
العراقية الجديدة، ولكن مع ذلك هناك أسماء متميزة مثل، بتول
الخضيري، وسنان أنطوان، وسلام عبود، ونجم والي، ومحسن الرملي،
ولكن هذه الأسماء لا تشتغل على الحساسية الكتابية الموجودة عند
الروائيين في داخل العراق.
- أسعى إلى إعادة مفهوم الحكاية لتكون هذه الحكاية فضاء
لمناقشة مجموعة من الرؤى، في الأغلب تطرح بنفس تهكمي – عاطفي،
ترصد الهوامش الاجتماعية والمركز في ذات الوقت وتسعى لتفكيكها
ونقدها من خلال بث طبقات من الأساطير والحكايات الشعبية
والأخبار وبلا غموض من أجل القبض على أسئلة التجربة وتعزيز دور
المعرفة في الكتابة والسعي لعودة الأنفاس للشخصية العراقية
وكذلك إعادة الهيبة للمكان المحلي ومشكلاته.
"حجاب العروس"
- في روايتي هذه تطرقت إلى تفكيك طبقة رجال الدين وطبقة ملاكي
الأرض وتأثير هذه الطبقات في بناء المجتمع، وحتماً هذه
المواضيع في غاية الحساسية خاصة وأن هذه الطبقات أصبحت هي
الحاكمة في عراق ما بعد الدكتاتور، لذا لجأت إلى التحايل في
تمرير بعض الأفكار خاصة وأن هذه الطبقات تمثل الواقع المسيطر
على البلد الآن ولكل جهة منها مليشيا وقوى لا تؤمن بقوانين
الفن، وكأن الرواية العراقية مقدر لها أن تعيش في مأزق
الدكتاتوريات بينما هي بذرة الحرية، وبسبب ذلك غادر الروائي
"غائب طعمة فرمان" و"فؤاد التكرلي" رواد هذا الفن في بلدي إلى
المنافي.
|