مجلة ثقافية حرة  بإشراف يحيى البطـّاط  صدرت أول مرة في 28/11/2003

 

مـاء النــار

محمد سهيل احمد

 

من أي غاب جاء هذا الليل؟(*)

 

 انعطف نحو زقاق من أزقة الحي القديم . تمايلت البيوت التي بدت جدرانها أشبه بشاشات سينمائية؛ بندوب وتشققات، بآجر متآكل موغل في القدم . دلف نحو زقاق تطل على جانبيه شناشيل صامتة مهجورة الشرفات . لحظتئذ تلقفته عاصفة ترابية ذات تراقصات لولبية. . فتح عينيه على أوسعيهما ليبحث عن مستطيل ولو صغير من زرقة السماء ، فاندفعت ذرات التراب الى عينيه في حين تطاير بعضها الآخر الى ما فوق شعر رأسه حيث بقايا شعيرات وخطتها فضة السنوات . أرغم على دعك جفنيه فاستحالت الحدقتان الى ثمرتي علّيق داميتين . توغل بالزقاق غير عابئ بالناتئ من أحجاره الذي راح يمعن في طعن أخمصي قدميه من تحت لحم حذاء مطاطي رخيص . افترش شحاذ أعضب في ركن (الدربونة) كيسا من القنب تبعثرت عليه أوراق نقدية مثقلة بأحجار. في حين راحت امرأة متفحمة البشرة تنكت بعصاها على ظهر قط مقوس الظهر مرددة:

يا جن ازرق .. يا جن احمر .. اخرج .. اخرج

 

اخترق مزبلة قرفصت عند حافتها امرأة عجوز وهي تبكي غامسة يدها في كومة عدس قاذفة بالحفنات الى كيس متدل ٍ من رقبتها

توقف أخيرا قبالة باب متآكل . اخرج من جيب سترته زجاجة تحوي سائلا فضي القوام ثم طفق يدق بكعبها ذلك الباب مرات

-هل من احد ؟

أطل وجه امرأة ذابل القسمات يحجب جانبا منه شعر متموج محلول متدل الى ما تحت النحر . سارعت يدها الى حجبه بمنديل ابيض من قماش ناعم النسيج

-أنتَ .. أيضا ؟

انا .. ومن تراه يكون غيري ؟

دفع بها جانبا ليدلف الى فناء الحوش ليتوقف أمام هيكلها الذاوي الضئيل . وحين غرس عينيه في أعماق تلك المرآة المثبتة على الجدار فوق مغسلة متهشمة الحافات تكومت في حوضها قمصان وسراويل ، لم يدرك الا بعد حين انْ ذلك الوجه كان وجهه هو

استدار صوب المرأة مدمدما

-مازلتَ على مهنتك .. غسل الثياب ..

-أعندك مهنة أخرى أقتات عليها؟

-مهنتك القديمة .. أيام زمان

-تعلم جيدا إنني قد أحرقت جسوري كلها .. فلماذا تحفر قلبي بإبرة؟

-كانت ترتدي ثوبا نيليا منقوشا بأزاهير بيض ناقعا لحد خاصرتها ، مثلما ابتل كمّا ثوبها ، رغم انها طوتهما أعلى معصمها. جلست من جديد على تختة فرم الخضروات ، جاذبة طستاً مخسوفا من القصدير إلى فخذيها قاذفة بوجهها إلى سطح ماء الغسيل المعتم المترجرج:

-وهل أنت على ما يرام ؟

ارتجت مرآة المغسلة فارتج وجهه بداخلها . حدث ذلك من اثر ارتطام هائل لباب البيت بفعل تخلخل الهواء المندفع من الخارج عبر فتحات الشبّاك .عاد وجه المرأة لينطفئ ثانية:

-وهكذا عدت للسم الزعاف

-لم تتبدلي .. ما زلت تنقّين وتنقّين كضفدعة

-تبدو مرهقا وغاضبا .. أترغب في أنْ افتح غرفتك؟

-لماذا؟

-كي أجدد هواءها وأبدل مخدتك .. هات الزجاجة التي معك

زعق كمن ينفض عن حضنه جمرة:

-مستحيل .. ابعدي يدك عنها !

جذب ذراعها نحوه ، بيد انه ، بدلا من ذلك انشدّ الى جسدها قليلا نظرا لأنه فقد توازنه ولأنه كان بسط ذراعه دونما تصميم مسبق فجاءت حركته خائرة القوى . استعاد جانبا من طاقته المستنفدة الى انْ تمكن من سحب جسدها اليه محكما قبضةً مضطربة عليه:

-تعلمين ما انا فاعل الساعة؟

-اتوسل إليك .. لقد كففت عن .. أنت تعلم هذا الأمر جيدا .. اعني أنني لم اعد

كافحت عبثا كي تبعد أصابعه عن عنقها . أبصرتْ في المرآة وجها متقلص الملامح :

-لماذا .. لماذا .. دعني

لوّح بالزجاجة في وجهها :

-ما عندك أدنى فكرة عما تحويه هذه الزجاجة

-أهو العرق ؟

-أيتها الخائبة .. هو التيزاب ..

-ال

-ماء النار .. ليتك تعلمين ما يفعله في الجسد .. انه يصهره صهرا ..

غطت وجهها براحتي يديها :

-أسعف التائبات يا رب الأئمة والأولياء

استدارت نحوه بشفتين مرتعشتين :

-كنت تشرب حتى الثمالة .. لكن كان لديك قلب حمامة .. أما الآن ..

-كنتُ وكنت

-ولكن لماذا .. أي ذنب جنيت بحقك؟

بغتة قام واقفا مطوّحا بالزجاجة في حضنها . حل بنطاله قاذفا به جانبا . بان فخذاه الأعجفان بتكويرات بدا واضحا أنها نجمت عن اكتواء قديم بنار استطرد متحدثا :

-إنها أنت.. كلا بل هي .. الخلاصة انتن واحدة .. كل واحدة منكن ضلع اعوج . اين ذهبت تلك الساقطة التي كان اسمها ... لا اذكر

-كان ذلك في سنيّ الطواعين .. هي لم تعد تسكن هنا ..

-يبدو انك تصرين على عدم إخباري . أتكون قد أوصتك بأن لا تدليني على عنوانها؟

-لا اعلم

-بل تعلمين .. وتنكرين . كانت هي رفيقتك في الغرفة نفسها وكنتما تعرضان لحم جسديكما بثلاثة دراهم لكل مرة دخول .. هل تذكرين سلاطة لسانها و قهقهاتها ؟ كان وقع سخريتها على قلبي يشبه ما تحدثه كياّت نار تنطبع على جلد طفل رضيع .. كانت تصمني بأقذع النعوت كلما قادتني قدماي الى حتفي .. كانت تشير الى فخذيَ المحترقين هذين .. انظري .. ثم تستغرق بالضحك ففي يوم كنت في نظرها لقلقا وفي يوم آخر كنت منجل فلاح .. كنت صغير السن وقتذاك .. دون العشرين بالتأكيد . كنت أعامل الواحدة منكنّ على إنها حبيبتي الوحيدة وعلى أنني حبيبها الأول والأخير . كان هزال ساقيَ ملفتا للنظر وكنتُ اذا ما دخلت معها ، حرصت على إطفاء ( كلوب ) الغرفة كي توقف سيل قهقهاتها فتهرع عامدة لإشعاله وإيقادي بغيظ سخريتها حتى انطفئ منكفئا على رماح وأية رماح؟

-هراء في هراء ..لا افهم كلمة مما تهـذر به

اطلع من جيبه كومة من قصاصات ورق منتزعا منها قصاصة:

-سأقرأ ما دونه قلمي المغموس بدم القلب حينما كنت في الجيش

قصاصة

(4)

السبـب

  الوحيـد

      من وراء

        ت- آ- ك- ك- ل

                     مبغى

                          المدينة

                      و.. ت- ح-ط-ي- م

                                قلوب الفتيان

                                              هو

                                              سـخريـة البائعات !

-لا افهم شيئا مما تهذر به أو ما تكتبه .. مجنون .. مجنون أنت .. ولكن من هي التي تدعي إنها صاحبتي ؟

-الحرب طمست ذاكرتي .. هيام .. فتنة ..لا اذكر .. إنكن تبدلن الأقنعة بأسرع من لمح البصر .. الأسماء الفنية ضرورية طبعا .. شأنها شأن الأسماء الحركية . دواعي الشهرة ..ذات يوم من أيام الشتاء وبينما كنت اتقد كجمرة لقيت صاحبا لي فاستدنت منه بضعة دنانير وقدمت اليكن .. لكن صاحبتك تلك استقبلتني بضحكاتها المعتادة .. ومن ثم صارت تردد : ما هذا ؟ أعدت من جديد؟ ايها الآكل بالدين .. ايها المنقرض يا فرخ النفاس . حينها شعرت بأني لا استطيع ان استمر . أما أنت فكنت تشاركينها الضحك !

 ـ يا وليّ التعيسات .. هل أنت متأكد من ان الثانية التي كانت تسخر منك هي انا ؟ وهل سخرت انا يوما من زبون ؟ انت تجعلني استعيد أسوأ ايامي بعد ان من ّ الله علي ّ بالتوبة ..

-التوبة ؟ هيهات ! .. وهل للماء ان يمسي لبنا رائبا؟

-ليغفر الله لكِ سيئات ظنونك

-وكيف بحق الحق ذلك؟

-ذات ليلة حلمت بأنني في حضرة الله .. لم أرَ الله .. من يرى الله ؟ ! سمعت هاتفا يردد من تاب منكم وثاب اليّ ؛ غفرت له .. استيقظت فزعةً على دمع حارق ينساب على الخدين . ألا خبرني ايها الرجل الدائخ الضال .. أي الميزانين اعدل ؟

داهمته نوبة تثاؤب:

-إسألي واحدا غيري .. .. لعلها رؤيا حقا .. لا اعرف .. ليتني كنت واعظا فأعظ نفسي !

 

                ***

   فتح عينين مثقلتين ليتكئ على حافة سرير ذي صرير . هرش لحيته مشيرا لحزمة من النور انسكبت الى الداخل عبر قضبان النافذة . ندّت من المرأة آهة متكسرة مكتومة:

-ما بك؟

صداع رهيب ضرب رأسي .. تأخر مقدم الليل مع ان الوقت

-أي ليل يا رجل .. قد مرّ و اجتازتا .. انه الصباح

-انتفض قافزا من على السرير :

-يا لغفلتي ! لمَ لمْ توقظيني عند الفجر

-وما الذي كنت تقوم به وقت الفجر ؟ انا صليت ركعتين .. رحت بعدها للسوق وعدت بثلاثة أرغفة خبز و باقلاء . تناول فطورك وحين تنال نصيبك من الراحة حدثني عن دواعي غضبك ومجيئك اليّّ انا التي لم تعد تملك موهبة او مالا .. ألا ترى الى جسدي وقد اصبح أعجف وشعر رأسي وقد اشتعل شيبا ؟ ! ناهيك عن تفطرات قدمي اذ تنام فيها العقارب . ها انت قد عدت للبيت بعد ان شبعت غيابا وانت تعلم كل العلم ان صاحبة البيت قبل ان تموت طلبت مني ان استوفي منك مبلغ الإيجار كي اسلمه لورثتها

-اذن فقد رحلت ام علوان ..

-وهل اكذب عليك؟

-ليتك تكذبين .. الاّ في ما سألتك عنه ..سأسعى لاقتراض مبلغ من المال من اجل ان لا يضايقونك .. انهم جوعى الى رائحة المال جوع الكواسج الى دم الجريح ..حتى انا لم يعد لي بيت ولا مأوى . ثم خطرت أنتِ على بالي فعزمت على زيارتك !

-الفقراء لا يزورهم احد .. لا شاي ولا كعك .. لم تأتِ حقا لزيارتي .. دفعت بك ريـاح جنونك إلى بختي العاثر .. ما زال صندوق حاجياتك محفوظا مصانا في عهدتي . مثلما هي كتبك .. ولكنك تحدثت بالأمس بكلام غريب ما ألفته منك من قبل .. هل انت جاد في البحث عمن سخرت منك كما تقول وهشمت حياتك ..؟ واين كنت طيلة هذه الشهور .. هل لديك عمل تتعيش منه ؟

-لقد مارست لثماني سنين عملا وحيدا ..

-ما هو ؟

-الحرب . توزع جسدي شظايا في كل جبهة وميدان ..

-ولكنك حي يرزق ..

-أيتها البلهاء ! لو ان رصاصة واحدة من بين رصاصات الحرب وجدت سبيلها إلى بدني لتوقفت آلامي . لقد كنت احمل كفني على كتفي في كل لحظة وكنت أواصل العيش على أمل ما .. ليس أملا واحدا بالضبط : ان اغدو غنيا ، ان تعشقني إمرأة جميلة .. ان تعشقني امرأة . اية امرأة ، ان اعمل على مركب ( ملكة الملوك ) لتحط قدماي في ألف ميناء وميناء .. في بانكوك يخدرن جسد الرجل بالمساج ودهن العود و اللافندر .. في استامبول يضمخنه بعطر الليمون .. اما هنا فيشيّعنه باللعنات والسخرية .. كنت لا انفكّ احلم واحلم .. كنت يائسا وأريد الموت .. حلمت بمتع عابرة إلا انني كنت افقدها متعة تلو متعة كما يفقد جندي محاصر اطلاقاته تباعا

-ترنحت كثيرا البارحة ... لا أظنك كنت تبصر من هو أمامك . لولا عناية الله لشوهت وجهي بالتيزاب .. اين ذهبت بالقنينة؟

-انها في مكان ما .. في البيت

-لكن هل كان فيها تيزاب حقا أم عرق مسكر؟

راح ينظر في حيرة اليها :

-الحقيقة انني كنت احمل زجاجتين. لا اعرف بالضبط ايا من الاثنتين قمت بتهشيمهما على جدران احد بيوت الحارة .. ترنّ في عميق الليل قهقهاتها .. انت تذكرينها .. مؤكد تذكرينها . كانت قصيرة القامة .. ذات وجه حنطي مستدير . من العلامات الفارقة وجود شامة على خدها الأيسر بحجم الفلس . ألا يليق ماء النار بذلك الوجه الحقير ؟

-طيش في طيش .. أضغاث أحلام .. لا أظنك جادا حقا بمسعاك هذا.. لعلها فورة كأس .. أنت تقلِّب أوراقا قديمة .. تتلف كبدك بتيزاب الخمرة في حين انك ما زلت في اربيعينيات سنك كما اظن .. ماذا اقول انا عن نفسي ؟ انا التي بارت تجارتها وهي خاسرة أصلا .. لكنني عهدتك دوما بهذا الشكل .. تجيد محض النصح لمن هب ودب وتنكره على نفسك .. أنت تجري وراء سراب ..

 

استل من جيبه ورقة ألقى بها الى صينية تحمل شكل قلب .. جلب قطعة ملابس .سكب ما في الزجاجة عليها .. انتظر دقائق قبل أنْ يرفع الخرقة من القلب ويعرضها أمام عيني المرأة التي أدارت وجهها عن المنظر:

-لعلك تصدقينني الان. لكم ابغض نفسي وازدريها .. ان سخطي حالة لا تعرف الوسط فأما ان ينتابني سكون الموتى او ان تباغتني براكين تتفجر في ثنايا روحي وتنصهر جارفة معها كل شيء .. ذلك رديء .. بل انه خاسر

عقبت المرأة في هدوء :

-انها تجارة بائرة !

 

قصاصة رقم (2) :

للجسد حقائق عتيقة وقاسية الى حد الإنكار لكن الى حين/ لابد لكل قمقم من ان يتكسر وكل صرخة ألم من ان تتفجر/ أي ليل أي نهار أي غضب وأية قهقهات/ انها ليست حكاية بيوت بقدر ما هي حكاية سخريات لا اكثر ولا اقل/ الجنون استثنائيء /كل شي استثنائي : الفقر معول والحرمان صحراء / كأنها لم تفتح لي بابا / كأنها تتأبى / كأنها لم تتفتح تويجا / ولم تتقلب جمرة ما تلبث ان تتوهج ثم تنطفئ / الجسد يلامس الجسد .. يرى.. يشم/ من يتشمم اللحم البائت سوى طوابير الجياع والذئاب والخراتيت؟/ الجنون افضل الطرق لإضاعة البهجات او استعادتها /هذه الكأس .. هذه الزجاجة / اطلب الكأس ولو في آسيا بار .. اطلب اللحم ولو في شارع بش.. !

قصاصة ( بدون رقم) :

من منكم بلا خطيئة ؟ الرب خلق ابن آدم من أربعة عناصر : ماء تراب نار وهواء . انا ثلج ونار.. ما زال جسدي يرسف بأغلال الخطيئة .. إنْ تهِن الروح يهن الجسد .. ان تحلق يسمو اذ يعرض عن كل لحم بائـت او شهوة محنطة ..لماذا لا نترك الأمور على سجيتها فيتحرر الجسد من اسار الروح بأن تزال عنه التابوهات.. كلا .. الجسد تنين ... ولابد لكل تنين من ان يطوق بأسلاك وشراك ومعرقلات .. الجسد قنبلة .. وجد الجسد قبل ان ترتب له قيود وقوانين .. الرغبة فطرة .. التلامس فطرة .. إمتاع العين بالجمال فطرة .. هراء .. ليس للعبد ان يصنع قانونا .. تكفل الرب بذلك . . ليس الجسد بغاية الغايات بل الروح .. الجسد قنطرة نعبر عليها الى حقيقة اسمها الآخرة .. الأجساد تفنى .. القناطر تتداعى واحدة تلو الأخرى .. يمارس الجسد لعبة الحواس .. ينظر .. يسمع .. يشم.. يتذوق .. يلامس .. الجسد قنطرة .. انت تهذر .. احص كؤوسك .. تتهاوى القناطر لتحل محلها قناطر أخرى .. زمبرك هو الجسد بداخل آلة هدفها صناعة أشكال لا متناهية من الحياة .. نحن المخدوعين تضللنا حواسنا .. تمنحنا الأنثى قلبها وجسدها .. نهرع اليها بحثا عن الخلاص من رعب الموت .. كلا .. بل من رعب الحياة .. نستشعر جنون اللذات والمسرات ..وما ان نفتح عيوننا مستيقظين من حلم لذيذ حتى نكتشف اننا على وشك اغماضها الى ابد الآبدين ..

 

غادر بار( سومر ) منعطفا الى الساحة الصغيرة التي يتوسطها ( أسد بابل ) ومن ثم سار بتؤدة تاركا التمثال ونخلات النارجيل السامقة وراءه متوغلا في شارع الوطن:

شارع الوطن .. شارع الإثم .. شارع الإنتشاء .. شارع النسيان .. تعددت التسميات والدرب واحد . . " . جعل يتنقل من رصيف الى آخر بحثا عن أفياء توفرها شمسيات محلات الملابس و استوديوهات التصوير والمطاعم والبارات كي ينأى عن لفح الهجير " .. ها هي قدماك قد بليتا دون أنْ تفلح في العثور عليهما .. هل تعرفون واحدة اسمها فاتن ؟ لا نعرفها .. لكن لماذا تسأل ؟ ! لاشيء .. كلا .. اعرفها منذ سنين

الجميع ينكر معرفته بها .. لكن صاحب المقهى المقابلة لملهى ( الغزالة ) وهو شاعر شعبي أضاع يوما ربابته انتحى بـه جانبا وطلب منه ان يوقف عملية البحث:

-ليس من صالحك ان تفعل .. هي موجودة في مكان ما .. في شقة من شقق الشارع .. لا تلزمني بأن أدلك عليه .. لأن التي تبحث عنها هي الآن خليلة واحد من اصحاب النفوذ في المدينة .. هذا الشارع امتلأ ، باثرياء الحروب والمهربين .. فلماذا تغامر بالسباحة في نهر زاخر بالقروش؟ القِ بأوهامك للبحر .. وعد من حيث أتيت ..

امتثل ، لحين من الوقت ، لمشورة صاحب المقهى لبضعة أيام .. ثم عاد ليستأنف مهمة البحث مدفوعا بقوة لم يعد في امكانه إيقافها ، لكنه أجرى تغييرا بسيطا في عملية البحث : توقف عن اصطحاب الزجاجة .. أخفاها في ثقب جدار إحدى العمارات.... دلف لبار آخر .. جلس على طاولة . استل من دفتره ورقة وطفق يكتب ويخربش:

ورقة بدون ترقيم ولا تاريخ :

تيزاب .. ماء النار .. الزمن تيزاب .. يأكل الوجوه والأحلام .. الرغبة في الجسد تيزاب .. الرغبات تلتهم الأجساد والأرواح ..العزلة تيزاب .. انها تلتهم دفء اركاننا التي اليها نلوذ ..

دس يده في جيبه . اخرج قصاصة ورق . دفع الحساب وغادر البار . اقترب من احد الحلاقين . ناوله القصاصة . حملق فيه الحلاق العجوز في ارتياب

- اعرف واحدة بهذا الاسم .. كثيرا ما كانت تمر من أمامي

أشار الى عمارة حديثة الطراز:

-انها تسكن الطابق الثاني .. لكنني لم اعد أراها منذ شهرين او يزيد .. قد تكون انتقلت الى عنوان ثان .. من يسأل لا ريب سيلقى ضالته

لم يقل شيئا للحلاق . أسرع إلى مخبأ الزجاجة السري . تناول الزجاجة . واصل سيره حيث تلك العمارة الجديدة . توقف أمام صف من الشرفات المطلة من على واجهة العمارة . غرز عينيه في شرفة الطابق الثاني . كانت ثمة امرأة في الشرفة بوجه يبدو أشبه بقناع ملون لراقصة في حفلة تنكرية ، غادرت كرسيها مطلة على الشارع حيث مخلوق مترنح يمسك زجاجة فيها سائل يحمل لون الماء ومهمة النار . هتف حامل الزجاجة:

-هيه .. أنتِ هناك !

ألقت بجسدها على إفريز الشرفة . كانت ترتدي منامة حمراء . انضغط صدرها المكشوف على الإفريز . لوحت بيدها لشخص كان في الداخل:

في تلك اللحظة وفيما راحت عيناه تمسحان شرفات العمارات المحيطة بشكل دائري ، برزت على حين غرة بنادق ـ من كل الاتجاهات ـ سددت فوهاتها نحو الأسفل حيث يقف .. ومن ثم انهمر الرصاص.

----------------

 

القصة الفائزة بجائزة جريدة المؤتمر التقديرية 

    

     خارج المتن

(*)النص تنويعة اخرى على قصيدة الراحل السياب ( المومس العمياء)

    والتضمين مأخوذ من القصيدة نفسها.

كاتب من العراق