مجلة ثقافية حرة  بإشراف يحيى البطـّاط  صدرت أول مرة في 28/11/2003


 

البديل
نزار عبدالغفار السامرائي

 

-        ارفع راسك أنليل باني انك اليوم ذو مكانة

  ببطء رفعت راسي الساجد أمام الملك المبجل ..

هكذا جبلت منذ صغري ، ان تلتصق الجبهة بالأرض عند وقوفي أمام الملك ، وهو ما توارثناه جيلا بعد جيل ، كما توارثنا العمل في حدائق القصر والاستعداد للتضحية من اجل جلالة الملك..

نظرت حولي احاول التأكد ان كنت أنا المعني، ولكن لا غيري يحمل اسم انليل – باني ..

ساد الهدوء أرجاء القاعة التي ازدحمت بالقادمين الى القصر منذ مساء اليوم الذي ذهب/ قضوا ليلتهم بقراءة قوائم ضمت أسماء عديدة على احدها ان تحل بديلا للملك/ ان تموت عوضا عنه.

امتدت القائمة طويلا تحمل اسماء مشاغبين /فقراء/حرفيين صغار/أسماء عديدة لا بأس ان تموت بدلا عن الملك الذي بقي معتكفا في غرفته الواسعة منذ ان تنبأ الكهنة بأن الكسوف سيحدث خلال ايام قليلة قادمة .

الوزراء /الكهنة/ القادة ، منهمكون بمراجعة القوائم خوف درج اسم احدهم فيها "سهوا" من قبل خبيث يحاول الإيقاع بهم ، فهم لا يفتأوا يوقعون ببعضهم منذ ان اعتلت صحة الملك واتجهت الانظار صوب عرشه الذي سيفرغ لاحقاً.. بينما بقي الشعب يمارس أعماله اليومية المعتادة برتابة وارتياح/ لا شأن للفقراء بما يحدث في اقصر فهو يخص أولئك المسموح لهم بالدخول وقت ما شاءوا ، اما الفلاحون/الكسبة/ الحرفيون الصغار ما عليهم الا ان يواصلوا العمل بكدّ كي يتمكنوا من الاستمرار على ما هم عليه كما على الامراء /القادة/ التجار الكبار ان يعملوا على ما عليهم ان يعملوه ليبقوا على ما هم  عليه ومن ثم يورثونه ابناؤهم ، هكذا مشيئة الآلهة التي يرددها علينا الكهنة يومياً.. الملوك يتوارثون الملك/ القادة يتوارثون السيادة/ الملاك يتوارثون الأرض/ الفقراء يتوارثون فقرهم/ وعلى الجميع السعي الدائم لاجل ان يبقوا على ما هم عليه..

لم يكن القادة يشعرون بالارتياح ، كذلك الأمراء والكهنة الذي أعياهم الإرهاق وكثرت الاسماء التي عليهم اختيار واحدا منها..

... لم اكن اتوقع الصدفة تتركني أمام الملك.. وجهاً لوجه.. رفعت يدي الى امام بالأزهار التي املها وسجدت حتى لا مست جبهتي الارض.

صمت الجميع واتجهت انظارهم نحو الكاهن الأكبر الذي صرخ بأعلى صوته:

-        يا حكمة الرّب.. تقدم  يا .. انت... تقدم يا رجل .. نعم انت ايها البستاني

-        أنا !..

-        نعم .. أنت يا من اختارتك الآلهة لتحل مكان الملك.

الجمت المفاجأة لساني/ عجزت عن الحركة .. عن إتيان ايّ فعل..انتقلت نظراتي بين الوجوه التي ران الهدوء والاستغراب على محياها..

هل وجد الجميع ضالته فيّ انا ؟! ..ايعقل ان اكون المختار للموت بديلا عن الملك المهدد بالكسوف ؟!

-        ما بك يا...؟

 قال الملك  / همس صوت من ورائه يعرفه باسمي

-        أرفع رأسك انليل – باني انك اليوم ذو مكانة ..

لم ينتظر الكاهن الملك فسارع باخذ يدي وسلمني الى مرافقيه كي استعد لاداء طقوس البديل كما قررها الكهنة باسم الالهة.

                             ****

الأيام تمر وكلّ ما عليّ فعله هو ان اجلس يومياً مكان الملك على العرش أأدي دوري باتقان دون اصدار الاوامر والاحكام.. عليّ ان اكون صورة عن الملك الحقيقي المختفي من الموت في مكان ما من القصر يملي اوامره ويصدر الاحكام التي تتناقلها الرسل والوزراء دو ان يعيرني احدهم اهتمامه الا بقدر التساؤل عن موعد موتي بديلا عن جلالة الملك.../لا ضير ان يموت بستاني فأنهم يتوالدون كثيراً اولئك الفقراء حتى ازدحمت بهم شوارع المدينة.../

  أيام عدية مضت قبل ان يصمت الملك/ لا أوامر / لا أحكام/ لا اخبار تجري على السنة الخدم الذين اصبحت حركتهم قليلة داخل الجناح الملكي الخاص الذي استطعت اخيرا من التسلل اليه خلسة.

كان الكاهن الاعظم واقفاً عند رأس الملك المسجى فوق سريره الفخم وهو يردد الاناشيد التي تستعطف الالهة.

-        لا ينفع شيء...

همس الوزير  الذي كان جاثيا عند قدمي الملك المحتضر

-        ربما أنها ارادة الالهة..

التفت الجميع نحوي بأستغراب متنكرين وجودي في ذلك المكان

-        كيف دخلت الى هنا ؟!

سألني الحاجب مستنكراً

لم اعرف بماذا أجيبه .. لا ادري كيف واتتني الشجاعة والثقة لأقرر بعد لحظة صمت طويلة:

-        أنني الملك... أنسيت ذلك ؟!

صعق من في الغرفة الملكية لجوابي.. نهض الوزير من مكانه يتبعه الحاجب وقائد الجيش بينما بقي الأمير الصغير في مكانه جالسا على حافة السرير.

-        الم تختارني الآلهة بديلا عن الملك؟ .. اسألوا الكاهن الأعظم انه يعرف ذلك جيداً..الم يعلن ذلك قبل أيام ؟!

الملك يحتضر / الملك يعدّ نفسه للتتويج

القادة /الأمراء/يتشاورون فيما بينهم...

الشعب..الفقراء/الحرفيون / الجنود الذين وصلهم أمر انليل –باني البستاني الذي كان احدهمـيتجمهرون في الاسواق/ عند أسوارالقصر/في حدائقه

لا أحد يستطيع الاعتراض على اوامر الآلهة التي اختارت البستاني بديلا عن الملك../اذا مات ايرا-أمتي يبقى انليل - باني /هكذا حرض احد صغار الكهنة الشعب بينما وقف الجميع ينتظر...

-        لا بأس ان يكون احدنا ملكاً.. (قال احد الشباب المتذمرين)

نعالت اصوات النقاش عالياً..ترددت في بيوت القادة/ الامراء / اخترقت اسوار القصر الذي يعدّ الطقوس لدفن الملك الذي مات

انليل –باني / البستاني

يجلس فوق كرسي العرش/يعلن نفسه ملكا على بابل / الشعب يحتفل /القادة ترضخ فتقدم فروض الطاعة/ الامراء يرضخون/ الكهنة يعدون الطقوس لعلان مشيئة الالهة...

/ الايام تمر مسرعة/

الشعب يعود ليمارس اعماله بعيدا عن القصر الذي اختار بستانياً جديداً توارث عن ابيه مهنة الزراعة والنصيحة بالاستعداد للنضحية من اجل جلالة الملك الذي اعلن ابنه وريثا للعرش...

30 تشرين الثاني

1999

______________________________________________________________________

•         من الطقوس البابلية القديمة انه اذا ما تنبأ الكهنة بحدوث كسوف للشمس وصادف ان يكون الملك مريضا ،يختارون بديلا عن الملك حتى ينتهي الكسوف على ان يقتل البديل بعد ذلك،لان الكسوف نذير شؤم للملك المريض ويعني موته...

 

 


قاص من العراق