|
قد يتطور شكل الرواية في المستقبل وتتعدد مضامينها وكذلك سبل السرد
فيها؛ لكنها لن تموت أبدا - كما يحاول الإعلان بعضهم أحيانا- لأنها
وسيلة مناسبة لمواجهة العالم بعالم أخر من صنعنا، وطريقة مثالية لوضع
الإنسان أمام مصيره الكوني، وهي (خلق) مواز للخلق في أغلب الأحيان.
يمكن للرواية أن تحتمل الكثير من الوجود الحي وتختزن ما يكفي من
الحوادث الجارية والتاريخية والعلمية والخيالية لأطول مدة ممكنة؛ وهذا
ما لم يتوافر في أي جنس أدبي قديم أو حديث، او من الفنون الأخر التي
درجت البشرية على مزاولتها. تتداخل الرواية وتختزن ما يكفي من الأجناس
الأدبية في تلافيفها أكثر من أي نمط سردي أخر هذه صفة نادرة وهي سرّ
بقائها أيضا.
ربما تكون السينما كفن يحاول خلق عالم أيضا هي الأقرب للرواية من سائر
أنواع الفنون في هذا المجال، وهي تشبهها إلى حدّ بعيد في عملية مزاولة
(خلق عالم) بديل: تلك الفكرة التي استهوت بني الإنسان منذ بدء الكتابة
ومحاولات فك شفرة الوجود. وإذا ما أرادت السينما أن تفلح كثيرا في
أهدافها فهي تتعكز على الكشوفات الجديدة للرواية غالبا. ومن هنا فإن
أعظم الأعمال السينمية هي في أصلها كتابات روائية. ولكن يبقى السؤال
دائما: إلى أي مدى تتوقف الرواية في أشكالها وأنواعها؟ وهل ثمة حدود
معينة لذلك؟ وهل يمكن للرواية فعل المزيد من (الرؤى) في المستقبل من
اجل تقديم نماذج أغرب لعوالم جديدة؟ قد لا تتوقف الرواية الحديثة عن
النهل من العلوم والآداب والفنون والباراسايكلوجيا حتى عصر قادم من
(المعلوماتية) يصعب التكهن بمضمونه الآن. أما طروحة موت الرواية فهي
تعني موت احد أشكالها وولادة أشكال جديدة من السرد؛ وهذا ما يخدع بعضهم
من المتابعين لتطور الرواية غالبا.
يتعرض مليار إنسان على سطح الأرض إلى خطر المجاعة بسبب ارتفاع أسعار
البترول ومضاربات الشركات الاحتكارية الكبرى وما ينتج عن ذلك من ارتفاع
لأسعار المواد الغذائية على نطاق واسع. وتواجه البشرية قضية المجاعة
على جانب تلوث البيئة واتساع فتحة الأوزون: هل يصلح مثل هذا الموضوع
ليكون رواية يمكن من خلالها وضع الحقائق إلى جانب نواقيس الخطر
المستقبلية؟ وهل يساعد التوسع في إنتاج غاز الميثانول من المواد
الزراعية على إيجاد طاقة بديلة ونظيفة للتخفيف من عبء هذه التحديات
الكبرى. هل يمكن أن تساعد هذه المعلومات في كتابة رواية تحتمل المزيد
من المؤشرات المستقبلية؟ من (السهل) كتابة رواية في هذا المجال بعد
ورود ما يكفي من المعلومات: هذه الموضوعات يفضلها الناشرون الجدد أيضا.
هل أصبحت الرواية نوعا من البحث له أصوله ومنهجيته ما دامت تتخذ غالبا
من العلم والمعرفة وسيلة لها؟ من الصعب وضع الرواية في قالب معين ففي
كلّ عصر ثمة أكثر من أنموذج للرواية.
لا شك إن المعنيين بحركة الأدب والثقافة من كتاب ونقاد ومفكرين في
العالم والعالم العربي خاصة يعرفون تماما حجم التحديات الكبيرة
والمشكلات المتنوعة التي تواجه الأدب الحديث والعاملين فيه، ومدى
قدرتهم على المواصلة والتجدد بإزاء مجمل التطورات في الاتصال بين
البشر، حيث كثرت سائل الاتصال على نحو لافت وبات ما يبحث عنه في سنوات
طوال هو في متناول اليد في ثوان معدودة. على سبيل المثال فإن نسبة
مستخدمي الانترنت في الشرق الأوسط قد ازدادت 1100% خلال السنوات العشر
الماضية وحتى عام 2008 وهذا يعني ثمة كمّ كبير من المعلوماتية يتسرب
سريعا إلى جسد الحياة العربية الذاوي. من المهم عدم التغاضي عن تلك
الحركة المتسارعة في تداول المعلومات والانفتاح على العالم. ربما يغير
هذا الوضع المتسارع من شكل الكتابة ومضمونها في آن وفي عقود قليلة من
الزمن، وسيمنح الكتاب (ثيمات) جديدة لم يكونوا يفكرون بها من قبل تتعلق
بالدرجة الأساس بمصير العالم في ظل تطورات علمية كبيرة والرؤية لقضية
الإنسان خاصة. هكذا تصبح الأحداث العامة والمثيرة مادة لكتابة روائية
حيث تمثلت في حادث انتحار (أو) اغتيال الفنانة سعاد حسني لتكون رواية
ذات غلاف مثير لصحفية معروفة (هاديا سعيد) عن دار الساقي بلندن: ترى
ماذا لو لم تنتحر سعاد حسني بتلك الطريقة وبذلك الكم من اللغط حول
دورها في المخابرات المصرية وربما مخابرات الموساد أيضا؟! هل كانت
تستحق منا عملا روائيا؟ وهل يقدم كاتب أخر على ترويج فكرة قديمة حول
السر في انتحار المطربة أسمهان روائيا: أليست فكرة أكثر إثارة؟ لكن
الزمن كان قد تجاوز انتحار أسمهان ولم تعد قضية سقوط سيارتها في النيل
قبل أكثر من ستين عاما حية وجارية. هل تحكم الحي والجاري بعالم الرواية
على نحو واضح في هذه المرحلة التاريخية من حياة الرواية؟
لكن المشكلة الأعظم التي تواجه كتاب المستقبل – بنظري- تتعلق بمدى
مواكبة نصوصهم لاهتمام السوق.. فلم يعد بالإمكان قبول تلك النظرة
القديمة في عزل الكتابة عن (النفعية) واردة في عصر تمكنت فيه لغة السوق
من النفاذ إلى مختلف شؤون الحياة وليس الأدب بمنأى عن ذلك بأية حال.
تصبح الثقافة كأي سلعة خاضعة لمعايير العرض والطلب، ويمكن من خلال ذلك
وحده تنشيط (سوق) الثقافة الراكد وتحويل المسار في الوقت نفسه على سوق
رائجة. يحدث ذلك من خلال ظهور نخب جديدة من الكتاب المستجيبين لطلب
السوق وليس للمشكلات الحقيقية التي يعاني منها الإنسان في عصر العولمة،
وليس ثمة ما يكفي من المساحة لمعالجة قضايا القلق الروحي وعقد الذات
التي دأب عليها تيار اللاوعي بدعم من سيجمند فرويد وانعكاس حي لما كانت
تكتبه الروائية فرجينيا وولف التي قضت بالانتحار في بحيرة بالقرب من
منزلها. لا مكان للأدب الذاتي في أعراف الأدب الجديد النابع من مشكلات
موضوعية حصرا يمكن العودة بسرعة إلى مرجعياتها من خلال الضغط على زر
كيبورد..
وكان الروائي الكولومبي غارسيا ماركيز قد أعلن صراحة بأنه لو حضي بهذه
الإمكانات الجديدة لأنتج عددا أكثر من الروايات التي أنتجها في حياته.
ولذلك يمكننا أن نجد عددا من الكتاب الروائيين ينتجون أعدادا – قد
نتصورها كثيرة – من الروايات في مدة زمنية قصيرة نسبيا، مما يضع آخرين
أمام حيرة بإزاء تلك السرعة في الإنتاج؟ لا شكّ بأن الرواية باعتبارها
من اقدر أنواع السرد على استيعاب حركة العالم وتطوراته المتسارعة كما
أصبح بالإمكان الحصول على المعلومات المختلفة والأفكار الجديدة بسهولة
ويسر تامين مما يعني ازديادا مضطردا في تعقيد الحياة، ولهاثا متواصلا
للوصول إلى أدق التفاصيل المكونة لها في الوقت نفسه. وتبدو اللغة
(القديمة) في روحها وحرفيتها غير قادرة على المواصلة أيضا، ما لم تجدد
من وسائلها وتعمل على رفع ما يكفي من التعقيدات لانسيابها. وحلت ثقافة
الصورة على نطاق واسع وباتت ضرورة لازمة في عصر متسارع لا يعرف التوقف.
هكذا تحل الصورة محل الفكرة وتعود الفكرة لتجهز نفسها في انساق مختلف
كلما توغلنا بعيدا في تلافيف القرن الحادي والعشرين. ويكون الحي
والجاري هو الإمكانية المحتملة لسحب القراء على اختلاف توجهاتهم إلى
مكامن القراءة والمواصلة: من الصعب وضع إنسان أمام كتاب لا يمنحه من
الفائدة والمعرفة الإضافية إذ لك يعد الجمال والمتعة عاملان كافيان
لتقديم عمل أدبي معاصر.
وبعد توسع وسائل الاتصال وانتشار الصورة على نطاق مبهر بات من الضروري
على الكتاب أن يغيروا من معايير رؤيتهم للعالم ووظيفة الأدب الإنسانية
فيه. وفي الوقت الذي انتشرت فيه مفاهيم السوق والسلعة وأهمية اكتساب
الأدب والثقافة عموما مسحة تجارية، فإن وضعا جديدا يواجه طبيعة العمل
الإبداعي وأهدافه في الوقت نفسه. ويعمل ناشرون عرب - على سبيل المثال-
متمرسون جديا على تكييف أنفسهم على وفق متطلبات (سوق الثقافة والأدب)
على توظيف الأحداث اليومية والجارية ذات الصبغة الحادة في إخراج أعمال
أدبية (روائية حتى الوقت الحاضر تحديدا) تعتمد الحيوية والجاري لتمكين
القارئ من روح الحدث اليومي، حيث يتعاقد الناشر - كما يحدث في عموم
العقود التجارية- مع أديب او أكثر ليرسله إلى مناطق ساخنة للتعرف على
طبيعة الحدث عن كثب لمدة أسبوعين أو أكثر قليلا (إلى دارفور أو العراق
او الصومال) لكتابة رواية (تسجيلية) تتخذ طابعا دراميا وبنص أولي عن
طبيعة الأحداث هناك: إنه يشبه عمل المراسل الحربي المتطور.
وإذا كان من الصعب معرفة مدى القيمة العلمية والفنية للعمل الإبداعي
والفكري في وقت صدوره، فإن صعوبات جمة أخرى تكتنف تلك الأعمال العظيمة؛
فقد كانت أعمال الفيلسوف الألماني أرتور شوبنهور لم تتخذ شهرتها وحيزها
الطبيعي إلا بعد وفاته، كما كانت رواية (موبي ديك) ل(هيرمان ميلفل) لم
توزع إلا بنسخ قليلة حال صدورها، لكنها أصبحت بعد ذلك واحدة من أهم
الروايات العالمية ذات الطابع الإنساني؛ في وقت عن رواية – ذات طابع
إعلامي كبير- لكاتبة شابة (بنات الرياض) لرجاء الصانع قد حصلت على
اهتمام واسع وطبعت بنسخ ألفية – ربما مليون نسخة كما تعرض ذلك بعض
التقارير الأدبية- ووزعت على نطاق كبير دون أن تحمل ما يكفي من الإبداع
الذي لازم انتشارها. لقد استطاعت الكاتبة استثمار وسائل الاتصال
الحديثة بين الناس لتقديم عمل روائي أقل ما يقال عنه عفويته او فطريته؛
ولو قدم هذا العمل- بالطبع- باللغة الإنكليزية او الفرنسية أو أية لغة
لأمة متقدمة علميا لما حصل على هذا الاهتمام المفرط. لا شك إن طبيعة
(الجاري) هي التي جعلت من هذه الرواية ذات اهتمام واسع النطاق.
هذا الانتشار المتسارع في كتابة الرواية وخاصة في بلدان الخليج يعكس
ظاهرة طبيعية في بداية عصر نهضة عربي جديد بغض النظر عن مدى جدية او
رصانة ما يكتب. فكسر الحواجز والأطر القديمة تفعله الرواية أكثر من
القرارات السياسية وهي تمهد للحديث والتقدمي غالبا.
|