|
أو هي سعي من أجل الرؤية، كي نفضح ونصرخ، حيث يطبق
الدجى ويتجلى رعب الوجود جرياً مع ما يقول يشار كمال؛
"أنا اكتب من أجل أن يتحسس الإنسان طريقه وسط هذا
الركام المفزع"؟.
أو تراها محاولة لتكوين مشروع مناظر للحياة لتحمّل
عبء الوجود؟. فها هي سيمون دي بوفوار تقر بأن مشروعها الأدبي هو حياتها
نفسها؛
"ولكي ترضيني حياتي ينبغي أن أعطي للأدب مكانه"
وتقول؛ "إن الحياة يمكن، رغم كل شيء، بمعنى ما، أن تظل بالنسبة لي
مشروعاً، في الحدود التي يتضمن فيها مشروع الكتابة".
قد تتوازى أو تتقاطع دروب الروائيين وقرائهم.. قد
يكون الوازع الذي يقف وراء الروائي ويحظّه على الكتابة هو غيره الذي
يجعل القارئ ينهمك في فعل القراءة. لكنهما لابد أن يلتقيا في نقطة ما..
نقطة لولاها لانتفت الحاجة إلى الأدب الروائي كتابة وقراءة. وتلك هي
لحظة التفاهم، وأكاد أقول التواطؤ بين الاثنين. إذ لابد من وجود هذه
اللحظة. ولا بد من العثور عليها كي تتحقق كينونة الأدب بعدِّها معادلة
من وجهة ما لكينونة العالم. ويلقي فرانك كيرمود في كتابه ( الإحساس
بالنهاية ) هذا السؤال؛ "كيف يمكن للرواية وهي تكذب، أن تحوّل الوجود
إلى كينونة"؟ ويمكننا أن نتحفظ على كلمة ( تكذب ) مثلما وردت في سؤاله،
لكننا، قطعاً، نتفهم مرماه، كون الرواية "عمل تخييل" لا تنقل الواقع
فوتوغرافيا بل تنشئ واقعها الخاص البديل والمكافئ، متوافقين، في هذا،
مع تحديدات تودوروف لقوانين الرواية، وهي قوانين غير مستقرة، كما يقر
معظم النقاد.. ويستشهد كيرمود بسارتر القائل "إن الرواية ليست حياة،
ولكنها مسؤولة عما لدينا من سلطة على أنفسنا" ليستدرك؛ "كما كان لها
عليه ( على سارتر ) في طفولته، بالنظر لكونها تشبه الحياة بشكل ما.
وجاء على لسانه مرة، إنه في الحياة جميع الطرق مسدودة، ومع ذلك فإن
علينا أن نفعل، وبذلك نسعى إلى تغيير العالم. أي أننا نحيا ( كما لو )
كانت العلاقات بين الأشياء وإمكاناتها الكامنة لا تتحكم فيها الجبرية
بل السحر".
أنعدّ السحر هو الحد المجازي الذي يلتقي عنده الكاتب
بقارئه؟ إذن بمستطاعنا أن نرتب العلاقة بينهما لتكون ذات شقين، الأول:
هو علاقة الساحر بمن يقع عليه فعل السحر ( المسحور )، والشق الثاني هو
علاقة الساحر بمن يُعرض عليه فعل السحر ( المتفرج ). حيث يجد القارئ
نفسه في الموقعين في الوقت نفسه. ولكن لماذا يضع القارئ نفسه في هذين
الموقعين؟ ما الذي يرغمه ويسحبه إليهما؟. إلى جانب هذا يمكن إضافة شق
ثالث إذا ما أردنا أن نضيف فكرة مشاركة المسحور في فعل السحر، أيضاً،
بعد أن يكون جزءاً منه، أي مشاركة قارئ الرواية في إعادة كتابة الرواية
في مخيلته.
تساعدنا قراءة الروايات على فهم أنفسنا والعالم،
ربما بأكثر مما تفعل قراءة أي نوع آخر من أنواع الكتابة، بما فيها
الكتابات الخاصة بالعلوم الإنسانية مثل علوم الاجتماع والنفس
والإنثربولوجيا، الخ. على الرغم من أنه لا غنى أبداً عن قراءة كتب هذه
العلوم لأي مثقف ومتعلم .. بيد أن للرواية سحرها وجاذبيتها المميزين
فضلاً عن الممرات غير المألوفة للمعرفة التي تفتحها أمام الذهن.. إنها
تعين على تفهم الروح البشرية بتعقيدها وغموضها وتعرجاتها، الروح
البشرية بنبلها ومواطن ضعفها، بمنحى الخير فيها وخطاياها، بتناقضاتها
وصراعاتها وأسرارها. كذلك تجعلنا على تماس مع الخريطة الخفية للعلاقات
الاجتماعية، والوقوع على شبكة القيم الساندة والمحركة لها.. لا شيء
يقرِّبنا من لب الحقيقة غير عملية القراءة تلك. وحتى السياسيون
والمفكرون الكبار يرون ألاّ مناص من المضي في قراءة الروايات ليدركوا
ما لا يستطيعون إدراكه باعتماد الوسائل الأخرى. ففي سبيل المثال لا شيء
يضيء لنا طبيعة وفحوى الروح الروسية، في القرن التاسع عشر، كروايات
غوغول وليو تولستوي ودستويفسكي، ولا شيء يكشف لنا عمّا في الروح
المصرية، في القرن العشرين، كروايات نجيب محفوظ. ولم يستطع أي أحد أن
يسبر أعماق الرضّة الروحية للجنوب الأمريكي بعد هزيمته في الحرب
الأهلية الأمريكية مثلما فعل وليم فوكنر في رواياته.
قراءة الروايات تعطيك شيئاً لا تقدر الأنواع الأخرى
من فنون الأدب وحقول العلم والمعرفة الأخرى على إعطائك إياها.. هنا
تكمن خصيصة الرواية وإلاّ لما استحقت أن تكتب على غلافها هذه الكلمة (
الرواية ). فيما كتابة الرواية تتطلب شرط الاختلاف؛ أي أن يجترح
الكاتب عالماً لا يستطيع اجتراحه أي نوع آخر من فنون الكتابة. ولهذا
فإن الرواية ستستمر، وستكتبها أجيال جديدة طالما أن البشر لم يبتكروا
بعد بديلاً آخر يعوّض عمّا يمكن للرواية أن تقدمه لهم. إنها تعطينا
المتعة أولاً ومن ثم المعرفة.. أو المعرفة المبذولة بطريقة ممتعة
ساحرة..
تنقلنا الرواية دائماً خطوة أبعد، في الفهم والتعرف
والتكهن.. فهي مستودع أشياء كثيرة ( شخصيات وأماكن وأزمنة وأحداث
وتحولات تاريخية وجيوسياسية وطبيعية، وصراعات تاريخية وشخصية ونفسية،
وفنون، وأفكار وشعر وبلاغة ورموز، الخ ).. تطوي بين جناحيها العالم
وتنظمّه وتحلّق به..
من غير أن نرى صورة مصغرة، أو مكبرة، بدرجة ما،
للعالم، في الرواية ستكون هذه الرواية رديئة، أو فاترة تبعث على
النفور، وإذ ذاك ترانا نلقيها جانباً وقد خاب معها أفق توقعنا. والقارئ
الطموح والواعي يمتلك أفق توقع واسع جداً، فهو يرغب مع قراءة كل رواية
جديدة شيئاً آخر جديداً.. تلك هي معضلة وعلّة قلق ومسؤولية كل روائي
يحترم ويخشى حكم قارئه.
saadrhm@yahoo.com
saad.m.rhim@hotmail.com
|