مجلة ثقافية حرة  بإشراف يحيى البطـّاط  صدرت أول مرة في 28/11/2003

مختارات آبسو

 

وهم الحياة والموت

سعيد الغانمي

في الوباء الذي اجتاح المدينة، فقد الشيخ أفراد أسرته الستة، ولم يبق أحد غيره في البيت. زارته الملائكة في المنام، وأخبرته أن سابعاً سيموت في بيته. أيقن الرجل أنه هو المقصود، إذ لم يعد في البيت حيٌّ سواه. رضي بالقدر المحتوم مطمئناً. اغتسل استعداداً للموت، ولبس كفنه، وبقي مسجى نحو القبلة بانتظار الأجل. في الخارج، استغل اللصوص شبح الموت المخيِّم على المدينة، وصاروا يقتحمون حرمات البيوت بحثاً عن صيد ثمين. تسلل أحد اللصوص إلى البيت المنكوب، ووقع نظره على الشيخ «المكفَّن»، ولعله ترحم عليه في سرِّه. لكنه لم يفكر في احترام الموت، فأيقظت جلبته الشيخ المكفن من موته الموعود. كان اللقاء بين اللص والميت صدمة لكليهما. لم يحترم اللص فاجعة الشيخ، ما دفعه إلى النهوض، ناسياً أنه مسجى في كفنه استعداداً للموت. وكان اللص يتوقع كل شيء إلا أن يعود إلى الحياة «ميِّت» احتجاجاً على لصوصيته. وما إن رأى الميت يتحرك، والكفن ينشقّ، ليخرج منه صاحبه حياً، حتى خرَّ هو ميتاً. لم يستوعب الصدمة. حينئذٍ أيقن الشيخ أن الملائكة لم تقصده، حين أخبرته بموت سابع في بيته.

ليست هذه قصة من قصص الواقعية السحرية في أدب ماركيز، بل هي قصة حقيقية جرت أحداثها في بغداد في طاعون عام 1831م. وقد رواها المرحوم الدكتور علي الوردي في كتابه «لمحات اجتماعية»، مضيفاً إليها بطريقته المعهودة بالطرافة: «من المناسب أن أذكر هنا أن هذا الرجل هو والد جد كاتب هذه السطور».

حين بدأ الطاعون يجتاح بغداد في أواخر آذار، كان يحصد في اليوم الواحد ألف ضحية. وفي الأسبوع الثاني منه، بلغت الجنازات ثلاثة آلاف كل يوم. وفي آخر أيام الوباء «قيل إن عدد الموتى في اليوم الواحد بلغ أخيراً تسعة آلاف».

أطلق الناس على المرض اسم «الوهم». وصاروا يموتون بسبب الوهم. يقول الوردي: «ينبغي أن لا ننسى أن الكثير من الناس ماتوا دون أن يصابوا بالطاعون، بل استولى عليهم الخوف فأماتهم...والظاهر أن هذا الرجل الذي تحدثنا عن قصته كاد يموت بسبب «الوهم»، ثم تخلص من الموت بسبب «الوهم» أيضاً».

فعلاً نستطيع أن نسمي هذه الحكاية «الحقيقية» حكاية «الوهم». فمن الناحية السردية، تتظاهر الحكاية بأنها تنطوي على شخصيتين؛ الحالم بالموت، والحالم بالحياة. غير أن المفارقة شاءت أن تقلب الأدوار، لتهب الموت لمن يحلم بالحياة، وتهب الحياة لمن يحلم بالموت. لكن مشاركة الملائكة تعقد الحكاية كثيراً. رأى الشيخ قبل الحادثة في المنام كأن الملائكة تمرُّ في الزقاق لتسجل أعداد الضحايا في كل بيت، وقد سجلت في بيته سبعة أموات. مات أفراد عائلته الستة، وتوقع أن يكون هو السابع. لم يعد هناك مجال. لكن حضور الملائكة هنا هو حضور «رؤيا». والرؤيا إما أن تكون صادقة، وتتحول إلى حقيقة، أو تكون كاذبة، لتنتهي بـ «وهم». ونستطيع بدورنا أن نتخيل أن اللص نفسه رأى في حلم من يخبره بالذهاب إلى هذا البيت بالتحديد ليجد فيه كنزاً. لكنه ما إن وصل إلى البيت حتى وجد أن الكنز الذي وعده به الحلم هو «الموت». ثمة تبادل أدوار مذهل. يعيش من يعده الوهم بالموت، ويموت من يعده الوهم بالحياة. وحينئذٍ تنشق الحكاية إلى حكايتين: حكاية الشيخ مع الملائكة، وحكاية اللص مع الشياطين. تعد الملائكة الشيخ بالموت في بيته، فيصدقها ويستعد للموت، لكنه لا يموت. وفي المقابل، تعد الشياطين اللص بكنز، لكنه يموت في بيت الشيخ. من تقاطع رؤيين كاذبتين، تولد رؤيا صادقة ثالثة، لم يتوقعها كلاهما. وفي هذه الرؤيا الثالثة، ينكشف زيف الرؤيين السابقتين، ينكشف أن الموت ليس سوى «وهم»، كما كانت تسميه عامة بغداد حينئذٍ. ولكن ينكشف بها أيضاً أن الحياة هي الأخرى ليست سوى «وهم» يُروى. إذ لا تكتمل الحياة إلا بالسرد، ولا يكتمل السرد إلا بالحياة.

عن دبي الثقافية/ العدد 38