|
يتململ رجل أسمر في موضع
حُشِر فيه حشراً ، ولولا نثار الضوء المتهالك عليه ؛ وهو من بقايا حزم
لونية برتقالية ساطعة أنضجت وجه الشابة وكشفت اغلب عناصره ؛ لولا ذلك
لما كان بالإمكان اصطياد الرجل الأسمر الناظر الى كل شيء في مشهد الوجه
الحبشي .
طفلة القهوة الحبشية من
نوع " يرغاتشيفي " تستدعي الآخرين إليها :عيناها تضيقان وتتسعان حسب
درجة الضوء البرتقالي المتبدل عليهما مرتين : الضوء الذي أسبغته عدسة
مقتدرة لتزيل قدراً مهماً من زنوجتها وتضفي عليها مُسحة من جمالٍ جديد
، والضوء المتألق من قاعة المكان الغامض الذي يتساقط على مكونات الوجه
بنسب عادلة ، فيضفي ، للوهلة الأولى ، سطوعاً مغشوشاً لم يكن في وجه
الحبشية المبتسمة بقهرٍ ولوعة .
بين عينيها الصفراوين "
أفنجا " صغير مصقول شكّت في أحد منخريه حلقة حمراء مندغمة مع حفلة
الضوء البرتقالي ومتضامنة مع شبح الألوان خلفها ، فبدت مثل شرارة مقوسة
التهب بها المكان ، فيما استدقت أقراط ثلاثة ناعمة على صفيحة أذنها
الداخلية كنجيمات متشكلة من لون القهوة المُرّة ، فيما علت غمازتيها
موجةٌ خفيفة من لونٍ لم يحمرُّ بعد .. ولم ينضج بعد.
لا يمكن تخمين المدينة التي
هربت منها طفلة البُن ، فالوجوه الأثيوبية متشابهة تتقاسمها ذات
الملامح الصفراء التي تنم عن أنيميا مستعصية وكأن الثمانمائة مليون
إنسان تقاسموا الفجيعة منذ عهد النجاشي والى عهد زيناوي
، ستة وعشرون ألف وثمانمائة وثمان وستون مدينة تغطي مساحة الفقر الأسود
والتصحر الأجرد في "ديرادوا" و"قندار" و " جيما" و "توشي" و"أورميا"
و"هرار" و" كافا" و " تاكازا" عدا الحروب الطائشة التي انسحق فيها
الجنود الأثيوبيون وأكلتهم الذئاب الإرتيرية الجائعة حتى أصيبت
بالإسهال ، وكأنما تلك الواقعة الرهيبة التي أرخها برثاء حزين "
لعبي عبدالله" بلغته التَجـَريـّة " كمكمد اندي ركبيا / تاكاس
حزيت اكريت " كأنما هي وغيرها من الوقائع المهولة سرطان آخر
يضاف الى سرطانات الجوع والخوف وشحة الحياة : " تلك البلاد التي يموت
الناس فيها عطشاً " حين ذكرها هوميروس في أناشيده الخالدة ، أمِن كل
ذاك الركام خرجتِ يا بنيتي الأمهرية ! يا طفلة الضياع الأول ! طفلة
الحانات المبكرة التي استفاقت على جوع جسدٍ أم معدة خاوية أم أغنية
رددها " أفريم" بحلاوة لسانه الأثيرة! لعلك تتذكرين وأنت في هذا الغسق
المخلوط بنشارة الضوء "عايدة" التي انبثقت من أديس بابا لتعشق
"رداميس" في قصة حب عنيفة هزت الحناجر والألسن وتبارى عشاقٌ ومغنون
لترجمة نار القلبين العاشقين في أغانٍ صداحة ملأت البلاد من أقصاها الى
أقصاها : وهذا " تلهون" الذي تعشقين صوته وأولئك الذين صنعوا
ذاكرتك الصبية : "ديمو جمري" و"أستير" و"همل" و"نواي" و"سهاي" ولكنهم
تخلوا عنك في لحظة التاريخ السريعة وبعد اجتياح الجراد لشعرك المتقاطر
بضفائره الرفيعة المجدولة بعناية إلهية حميمة.وكأني أراهم الآن خلفك
يتناوبون في غناء صامت ملؤه الحزن والبكاء ، ولكن دعيني اللحظة أرى كل
شيء. أرى الشيطان الأثيوبي المتربص لسُمّانته الطرية في بلد "النجاشي"
بلد البن والزهور والعطور.. والجفاف.
لا يمكن الإقرار بأن الأشباح
خلف الحبشية السمراء يغيّرون مواقعهم أو يتناوبون في استدراج ضوء مغلق
على حانتهم أو مقهاهم أو بيت متعتهم ، لكن العدسة حاصرتهم حتماً
واستأثرت بوجه الشابة الحبشية ، فانتزعتها من المكان بفرادة ، وتركت
مزيداً من العتمة والغموض من الجوانب كلها ؛ إلا من ذلك الرائي الأسمر
الذي اقتنصته العدسة الحساسة في اللحظة الأخيرة كفائض لا يعني وجوده
شيئاً تقريباً إلا لكونه قد ظهر الآن ولا مناص من الإقرار بحضوره
الحتمي الطارئ .
تركت
شفتيها السمراوين عابرتين في اللقطة ، فظهرت ابتسامة منهَكَة ، كأنما
أتمّت قبل قليل مع نفسها أغنية الكابلي " يا أخت بلادي.."وقد
غنتها بلا سعادة مفترضة ، بلا موسيقى كونية ولا كلمات تستطعمها. بدت
روحها خاوية وأعماقها سوداء خرجت من "المركب السكران" ومن كلمات الشاعر
البوهيمي المجنون المتوحش ، الراكض الى الضياع ، رامبو، الذي لا يكبرها
إلا بعدة ساعات حين وصل الحبشة ولم يجدها فاقتفى خيط البراءة في "هرار
" عله يراها ..نفس الجرح ونفس العذاب :"
..
العالم كبير ومليء بالبقاع الجميلة ، لكن لا أريد أن أتجول في البؤس ،
بل أريد أن يكون بحوزتي عدة آلاف من الفرنكات تدر عليّ دخلاً
ثابتاً..."
هكذا كتب
الى أمه ذات مرة وهو هائم بين اليمن والحبشة ، ليصطاد النقود لا
القصيدة ، فهل ينتقل نفس الجرح من الرجل الى المرأة ؟ هل تنتقل
الأغنية الجريحة من شفة الى شفة ومن قلبٍ الى قلب؟
"دقينا فكرنْ دقينا ..
دقينا موددن دقينا ..دقينا ناي قجي منّا... دقينا لمنتا قرفيالش ..
دقينا فقيقتا سجيني.. "
هل أراك تستحمين في مياه "
غومارا" لتخلعي أمراض الكوخ المزمنة أم تستحمين في نهر "عواش" لتنحدري
مع جريانه الى صحراء " الدناكل " أم تتسلقين الجلاميد العملاقة في "
زيمين" لتصلّي الى السماء وتنشدين نشيد اليأس العارم ، لعل السماء
تمنحك حبّة من مطرها الفائض ! لماذا لا أراك في الأعياد صبية مبتهجة
ترفلين بورود الأورشيل والكاميليا وتتخاطرين بين عساليج الكروم ، تاركة
أوراق "الهليون" على رؤوس المنتصرين من سادتك أو ترقصين حول النار
مكتفية بفرح قدوم "الموسكال" عيدك الأثير! هل تكفي دمعة واحدة لإغراق
العالم المظلم ، وهل يكفي حزنك لتلطيخ الدنيا بالسواد الداكن..
أطفال "الفلاشا" السود
يكنسون شوارع تل أبيب ويأكلون من بيارات يافا ومزارع الخليل وحقول
نابلس تيناً وعنباً وبرتقالاً بعد أن نسوا كروانات أديس بابا ولاعق
العسل وأرملة الفردوس والصقر الراهب وكل التسميات الشاعرية
لطيور البلاد ، أما أطفال "الفلاشمورا" المنتزعون من أراجيح " غوندار"
فإنهم ينشدون الأغاني العبرية وأمهاتهم يخبزن " الماتسا" وكل هذا
"الجنس الأسود" الذي فرقه "هيلاسيلاسي" ، حفيد بلقيس وسليمان
كما كان يتمنى ، هو نتاج غرام الجن والغبار وغرام الجراثيم بالغابات
الإستوائية ، وحتى الرفيق " منغيستومريم " عقد ذات الغرام مع
ذلك الجن الهجين وتلك الجراثيم ، لكن غريمه التَجري "مِلِسْ زيناوي"
القادم من دهاليز البيت الأبيض كان أكثرهما دهاء ومكراً ، فهيأ الأجواء
كلها لهجرات جائعة تبحث عن الكلأ والماء والخضراء ، لا عن أرض موعودة
بالتبر والجنة والأعناب ، بعد إن ذوت الأجساد وتمردت بيضة الطفولة على
قشرتها ، لتخرج هكذا ، طفلة الحبشة الجميلة ذات الإبتسامة
المنهَكة.حفيدة بلقيس السبئية التي عادت مسلتها بعد عقود من العار
الجمهوري ؛ يوم نهبها ثور ديكتاتوري يسمونه موسوليني ودكّها في قلب
روما ، ليمجّد انتصاره الوهمي على شعب جائع ؛ وقبله منذ عهود سالفة
قامت الأميرة اليهودية الجميلة " أديث" بتدمير معابد أكسوم ، فتخرج
حشود بشرية على قرع أجراس الكنائس لترى 1700 سنة منطوية في أدراج
التاريخ على شكل مسلة ترتفع الى ثمانين متراً ، وكأنما تنهض الآن
مملكة سبأ وأكسوم وتعود الملكة بلقيس محفوفة بالزنابق الإلهية وجموع
الحوريات الحبشيات اللواتي لم يفهمن شيئاً مما يجري ، وطفلتي الجميلة
خرجت منذ الصباح الباكر متشحة بالجمال الوحشي النابض في جسدها ، تستقبل
مع صويحباتها في طوابير طويلة ، حجراً جرانيتياً عملاقاً سرقه الطليان
في عصر غابر. عاد الحجر الذي كادت تفتك به عاصفة من البرق قبل سنوات
وتحيله الى أشلاء .طفلتي تبتكر الحكمة من أعماقها الصغيرة : خذوا
التاريخ واعطونا خبزاً وسلاماً ، خذوا الحجر واعطونا الماء..
بين غلالة الأراجيل المطبقة
وعتمة المكان المجهول بيضةٌ من ضوء أصفر شفيف أحاط بوجهها ، يمكن
ملاحظتها بعد تمحيصها وانتزاعها من كتلة اللون البرتقالي ، تلك البيضة
غير المرئية تماماً وضعتها في حالة جنينية غريبة ، وبالإبتعاد خطوة
قصيرة عن مشهد الفتاة السمراء وبتركيز نافذ يمكن أن يتغير المنظر :
الضوء الأصفر الشفيف هو سائل اصفر في حالة الصيرورة والتكون ، لم
يستقر بعد ، على أن الابتعاد خطوة قصيرة أخرى الى الوراء سيكوّن محاً
لبيضة فقدت قشرتها وقد انبثق منها وجه الحبشية المعذب .
خطوة ثالثة الى الوراء ،
يتطاول بعدها الحائط الأبيض المحيط بها : يتمدد المشهد المحاصر بعتمة
الأراجيل الى حائط العرض المستكين الى بياض ناصع : تلتصق صورة الحبشية
مع كتلة الحائط : يستقر السائل الأصفر مع قشرة الحائط : وجه معذب
بعينين صفراوين داخل بيضة متصالبة ..
بلا إحالات ولا خيال مضطرب
هذه اللحظة أعيد النظر الى تينتي الحبشية : شبكة شعرها المتناثر على
شكل ضفائر رفيعة معمولة بدقة وعناية .. كل ضفيرة كأنها مسبحة ناسك هرم
، مفتولة بعناية ، لكنها مشتبكة ومتناثرة كجذور شجرة عجوز : كإنما ريحٌ
غير مرئية فرّقت مسبحات الناسك الهرم وانتزعت شهوة الطفولة وألقتها
عارية صفراء في فضيحة الليلة الأولى.
20 / 4 / 2005
أبو ظبي
waridbader@yahoo.com
|