مجلة ثقافية حرة

 
 

 

 


 

 (بنت المعيدي) أو (كيجي كافروش)

موناليزا الفقراء 

بقلم: يحيى البطاط

منذ ثلاثينيات القرن الماضي وحتى سبعينياته، ظلت تلعب لوحة (بنت المعيدي) لعبتها السحرية في مخيلة العراقيين، كانوا يعلقونها على جدار غرفة الضيوف، إلى جانب صورة صاحب البيت، أو بموازاة صورة الملك غازي ثاني الملوك أو من تلاه من حكام العراق.  بوصفها ملكة تتربع على عرش الجمال بلا منافس، وكان يحرص الأكثر سعة منهم، على تأطيرها وتزجيجها، بحيث يستطيع الداخل والخارج، من أفراد الأسرة ومن أقاربهم وأصدقائهم، أن يحصل على زاوية مناسبة لمشاهدتها بكل تفاصيلها.

أصحاب المقاهي، وسائقو الحافلات، والباعة في دكاكينهم الصغيرة، وأصحاب الحمامات العامة، والمطببون الشعبيون، والحلاقون، وصاغة الذهب، لا تعييهم الحيلة في إيجاد مطرح مناسب يليق بصورة (بنت المعيدي) يتباهون بتعليقها أمام أنظار زبائنهم، فهي رمز الجمال العراقي الصارخ والحزين، الجميع يسعدهم تأمل ملامح تلك السيدة الصغيرة وهي تطل بنظرتها الحالمة البريئة إلى زاوية الصورة متحاشية النظر مباشرة إلى عين المشاهد.

تفاصيل صاحبة الصورة توحي بترف لذيذ، وغنى فاحش،.. فهي تبدو سيدة في مطلع العشرينيات تتألق على جيدها ثلاثة عقود جميلة، الأول من حبات لؤلؤية صغيرة تشكل خمسة أطواق ينسجم بياضها مع بياض البشرة الناعمة، والثاني من خرز لؤلؤي أكبر حجماً، بينما يبدو العقد الثالث ذهبياً تتوسطه جوهرة كبيرة الحجم تتدلى على الجزء الأعلى من صدرها.

وبطريقة ملكية بهية، تعلو رأس صاحبة الصورة قبعة على شكل تاج، تتألق في قمتها تشكيلات زهرية مصنوعة من قماش الدانتيلا ذي لون وردي فاتح، وتلتف ببراعة على تشكيلة شعاعية من حبات لؤلؤية صغيرة، تقوم كلها على ضفيرة من الجنيهات الذهبية الخالصة والمصممة على هيئة عقال عربي. تغرق هذه التفاصيل المدهشة ببحر من خصلات شعرها البني التي تنتشر متموجة بغزارة على كتفيها لتغمر جزءاً من ثوبها الأحمر المطرز بخرز وأقراص لماعة.   

يكاد يكون الحديث عن (بنت المعيدي) مدخلاً مناسباً للكثير من الأحاديث التي تدور بين الناس آنذاك، بل قد يصبح الحديث عن جمالها وقصتها الغريبة، ملاذاً شديد الجاذبية، عندما لا يجد الناس ما يتحدثون به. واستلهم المغنون الشعبيون والمسرحيون من جمالها وحكايتها الحزينة أعمالا فنية لاقت رواجاً لافتاً، فهذا المطرب الشعبي البحريني عيسى بدر يقول في إحدى أغانيه (بنت المعيدي سافرت قطر  أربعة شهور ما جاني خبر) وفي المسرح قدم المخرج العراقي محسن العزاوي مسرحية اعتمدت على أسطورة (بنت المعيدي)

في الجنوب يسمونها (ليلى المعيدية) وهناك من يصحح ويدعي أنها (فاطمة، أو جميلة المعيدية)، غير أن الاسم موضع الخلاف قد يختفي، ويكتفي الناس باطلاق لقب (بنت المعيدي). أما في شمال العراق فيطلقون عليها لقبين، الأكراد يسمونها  (كيجي كافروش) وتعني بالعربية ابنة التبان، بينما يطلق عليها التركمان اسم (صمانجي قيزي) وتعني  ابنة عامل اوبائع التبن.

ولكن السؤال الذي يبقى يلح بطلب الإجابة: ما حقيقة هذه الصورة؟.. ومن هي صاحبتها، هل هي حقاً فتاة عربية من منطقة الأهوار في جنوب العراق، أم أنها فتاة تركمانية من أسرة فقيرة أم هي كردية لأب يعمل تباناً؟

لا أحد يستطيع أن يجزم بحقيقة الصورة، رغم أن كل من يتصدى للإجابة ينسبها بثقة إليه، لذا ليس لنا غير تلك الحكايات التي تواترت على ألسنة الناس لسنوات طويلة وفي مناطق العراق المختلفة.

تقول الحكاية الجنوبية، إن بنت المعيدي فتاة من منطقة الأهوار، اسمها جميلة ولدت في عام 1904 في لواء العمارة (حاليا محافظة ميسان) وإحدى الروايات الفرعية تؤكد أنها ابنة أحد الشيوخ، بينما تقول رواية أخرى إنها ابنة فلاح بسيط، بينما ترى رواية ثالثة أنها ابنة أحد مربي الجاموس من سكنة الأهوار الذين يطلق  عليهم اسم (المعدان).

تبدأ القصة بحادثة مفادها أن ضابطاً إنكليزيا في حقبة الثلاثينيات وكان ضمن الحملة البريطانية على العراق، شاهد بمحض المصادفة هذه المرأة فبهره جمالها، ووقع في غرامها. وبعد أن يسأل الضابط عن عائلتها، يوسط بعض المقربين من أسرتها للزواج منها، وأمام الرفض الشديد يصل الأمر بهذا العسكري إلى أن يرسل وفداً من وجهاء وشيوخ مدينة العمارة لطلب يد الفتاة الجميلة.. إلا أن والدها وعشيرتها يرفضون بشدة تنفيذ رغبة هذا البريطاني المحتل.. وتنقل الرواية عن أحد أعمام الفتاة احتجاجه الشديد بقوله:"أما يكفي احتلالهم للعراق.. هذه المرة يريدون الزواج من بناتنا.." ويتواصل سرد الحكاية إلى منعطف دراماتيكي عندما يبيت الضابط في سره أمراً خطيراً.. فقد وضع خطة لخطف بنت المعيدي والرحيل بها إلى بريطانيا، وبالفعل حقق مراده وخطف الفتاة وحلق بها على متن طائرة عسكرية، ليتزوجها وينجب منها ولداً!!

ثم تتشظى نهاية الحكاية إلى حكايات تختتم دائماً بنهايات مأساوية، إذ يتبين لنا أن هذا الضابط واسمه (نكسن) كان متزوجاً، وأن زوجته البريطانية أرادت أن تنتقم من السيدة التي جاء بها زوجها من أهوار الجنوب العراقي، فعمدت على قتل رضيعها بطريقة بشعة، فجن جنون بنت المعيدي فقتلت الضابط وزوجته وهربت متنقلة بين البلدان إلى أن حطت رحالها أخيراً في قريتها الأولى، بينما يروي آخرون أنها رفضت الزواج منه، وقفزت من الطائرة وهربت إلى أعماق الأهوار لتعيش هناك حياة بدائية معتمدة على صيد الأسماك، وفي هذه الحالة يعبر العسكري البريطاني عن غرامه بها ويرسم لوحة رائعة لتلك السيدة الجميلة التي رفضته!!

 

تفاصيل القصة التركمانية القادمة من مدينة كركوك الشمالية لا تختلف عن قصة مدينة العمارة الجنوبية. تقول القصة إن الفتاة الجميلة تنحدر من عائلة تركمانية فقيرة الحال وكان أبوها يعمل تبانا (صمانجي)، يسكن محلة (القلعة) التاريخية، وفي يوم من الأيام وعندما كانت الفتاة تنظف عتبة الدار صادف مرور مجموعة من الضباط الإنكليز، فبهر أحدهم  بجمالها.. وتقدم إلى أهلها مع بعض الوجهاء والمتنفذين في المدينة طالبا يدها للزواج، وأمام رفض والديها بسبب اختلاف الدين، أعلن الضابط عن استعداده لاعتناق الدين الاسلامي ثمناً للاقتران بها! و بعد عدة محاولات عديدة باءت بالفشل  مارس الضابط الانكليزي ضغوطاً نفسية ومادية وحكومية، وتم زواجه منها وبعد زواجهما غادرا مدينة أربيل إلى لندن ليعيشا فيها عيشة سعيدة. وقد استعان الزوج – كما تروي الحكاية - بأحد أشهر الرسامين الإنكليز ليرسم له لوحة (بورتريت) للسيدة فانتجت فرشاته هذه القطعة الفنية الرائعة التي أرسلها الزوج من باب الوفاء الى أسرتها لليخفف عنهم وطأة فراقهم لابنتهم، فكان أن انتشرت الصورة بشكل سريع بعد أن قامت شركة بريطانية بطبعها وتوزيعها على نطاق واسع لتزدان بها بيوت قلعة أربيل بوصفها (بنت المحلة) وانتشرت الصورة في المدن العراقية الأخرى...

بينما تذهب رواية أخرى إلى اتجاه مختلف تماماً عندما تعمد عائلة الفتاة إلى إبعاد الإبنة عن الأنظار حتى لا يقتفي أثرها أحد، وقيل إنها أجبرت على الإقامة في إحدى دور أقاربها تحت بحراسة مشددة لحين رحيل الضابط.

وأن اللوحة المرسومة للفتاة ما هي إلا نتاج لفرشاة هذا الضابط الفنان الذي وجد ملاذه في رسم صورة لها، لتكون النتيجة لوحة أخاذة.

ثمة أغنية تركمانية انتشرت في ستينيات القرن الماضي بصوت المطرب التركماني محمد أحمد أربيللي يتغني فيها بصاحبة الصورة ويقول في مطلعها (صمانجي قيزي... أون دورت ياشينده) أي ابنة التبان ذات الاربعة عشر عاما...

 

الأكراد العراقيون لديهم بدورهم قصة تلائمهم عن صاحبة الصورة فهم يسمونها (كيجي كافروش) الفتاة الجميلة والجذابة والساحرة، وقد شاعت صورتها في بيوت الأكراد، بل أصبحت معياراً للجمال الصارخ، حتى بين أن الناس يقولون في وصفهم لأي فتاة جميلة "إن جمال فلانة كجمال كيجي كافروش" كما اشتهرت في مطلع خمسينيات القرن الماضي أغنية للمطرب الكردي حسن زيراك تتحدث عن كيجي كافروش. وخلاصة الحكاية أن عسكريا بريطانياً بهر بجمالها، فاختطفها وحاول نقلها في طائرة متوجهة إلى لندن، لكنها قفزت من الطائرة رافضة أن تتحول إلى أسيرة، ومن يومها تحولت كيجي كافروش إلى أسطورة كردية. وسارع الفنانون لرسم لوحة لهذه السيدة الجميلة ذات الشخصية المتحررة والقوية.

غير أن ما هو مرجح بقوة أن لوحة (بنت المعيدي) أو (كيجي كافروش) سواء أكانت تعتمد على حقيقة أم أسطورة من نسج الخيال الشعبي العربي أو الكردي أو سواه، رسمت بفرشاة فنان غربي، ذلك أن بناء اللوحة وألوانها وطريقة جلوس السيدة وتفاصيلها، يشابه كثيراً بناء لوحات الفنانين الاستشراقيين الغربيين الذين اهتموا بهذا النوع من الأعمال الفنية في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر. كما أن ملامح السيدة الصغيرة وملابسها لا تتفق وملامح فتاة عربية من جنوب العراق أو من أهواره، ويرى الفنان التشكيلي الكردي آزاد شاواكي إن ملامح الفتاة وملابسها تبدو من جورجيا

الغريب أن الاهتمام الشعبي بهذه اللوحة وما نسج حول صاحبتها من حكايات يتعدى حدود العراق، ليجد صداه في كل من سورية وفلسطين وإيران وتركيا وبعض جمهوريات الاتحاد السوفييتي السابق وخاصة جورجيا، وتبتعد أصداء الصورة في الجغرافيا العربية كثيراً، فقد سمعت أحدهم يقول إنها مغربية الأصل، إنها فتاة من مراكش، وأن اسمها الحقيقي هو فاطمة أو فطومة المغربية!! ودليله على هذا الادعاء، أنها تعرف بهذا الاسم في كثير من مدن بلاد الشام. غير أن فنانين شعبيين من هذه معظم هذه البلدان تصدوا لإعادة انتاج اللوحة، حتى من أصبح من الصعب تحديد اسم الفنان الأول الذي رسمها.   

وأي كان انتماء صاحبة اللوحة، وحقيقتها، فإن التعلق الشعبي بها، في مختلف مناطق الشرق وخاصة في العراق وما حوله من بلدان، ونسج الحكايات الأسطورية المعروفة عنها يعبر عن نزوع نفسي تعويضي لدى  أبناء هذه الشعوب والقوميات، وشكل من أشكال المقاومة الثقافية والجمالية للمحتل الغاصب الذي لعب دوره الضابط الإنكليزي المسلوب اللب. بينما لعبت السيدة صاحبة الصورة دور الضحية، التي نراها تارة تقاوم وترفض وتارة أخرى تقنع بمصيرها، غير أن التكرار البصري للوحة وتكرار حكايتها، سمح للمخيلة الشعبية أن تضيف في كل مرة ما يلائمها من سيناريوهات لتعزيز ثقافة الرفض المستر للغزاة. وعزز صمود ظهور السيدة الصغيرة بجمالها الصارخ والبريء والمتحدي، وحولها مع التكرار إلى أسطورة لا تهزم.

غير إن اختفاء الصورة من حياة الناس بعد عقد السبعينيات، يؤشر حقيقة دخول تلك المجتمعات إلى منطقة ثقافية جديدة، فقد شاع استخدام التلفزيون، ودخل بيوت الفلاحين والعمال، كما دخلت أجهزة الفيديو إلى جانب التلفزيون ليمارس عليهم عليهم التكرار المحببة والجديدة للصور الحية، إلى جانب التلفزيون والفيديو توفرت وسائل تقنية دقيقة ورخيصة لطباعة الصور أتاحت لكل فرد اختيار ما يعجبه من صور ويعلق ما يشاء منها على جدرانه، كل هذا كرس في بحر عقد من الزمان منطقاً جديداً للصورة، وهيأ لتشكيل أسطورة ثقافية جديدة يلعب بطولتها هذه المرة ممثلون ومطربون ونساء ونجوم معروفون للجميع، كما أن الاستعمار بشكله المباشر اختفى تماماً وأصبح مجرد ذكرى بعيدة، كل هذه المتغيرات اضطرت (بنت المعيدي) أو (كيجي كافروش) أن تغلق نافذتها وتنسحب بعيداً عن حياة الناس وأذواقهم وصراعاتهم، مكتفية بذكرى حكايات تشبه الأساطير.