مجلة ثقافية حرة  بإشراف يحيى البطـّاط  صدرت أول مرة في 28/11/2003


روبرت فروست والكلاب
(يوميات المرسم)
يحيى الشيخ

 

     منذ وصولي الى تروندهايم نهاية 99 سكنت في محلة " سفار لامون " و تعني بالنرويحية الدارجة " السوق المفتوحة " ، اختارتها البلدية لي. مهما كانت طبيعة الاختيار؛ متعمداً أم عشوائياً، فقد جاء متفقا وحاجتي ، أعني ما يمكنني الحصول علية والوصول اليه بدون مشقة. المحلة تقع في منتصف هلال بحري تفترشه المدينة بكل عناصرها من الشمال، والبحر بكل نوارسه اليقضة وصخوره السوداء من الجنوب. يعني أنها مفصل حياتين، ومفترق علاقتي بالمكان. كلما خرجت من البيت، أتوقف برهة لأختار وجهتي؛ فإن يممت صوب الشمال يكون نهارا منذورا للغابة وأشناتها وأعشاشها الهرمة؛ منذورا لنوارس البحر الناعقة بلا هوادة والأصداف المالحة.... ولروحي المكتضة بالضوء.

  وإذا يممت صوب المدينة؛ أكون أما رب أسرة أنزل الله عليه رحمته ذاك النهار، أو متسكعا على ضفاف قنوات المدينة، في مقاهيها أو مبعثرا فوق حجارة شوارعها العتيقة. وإذا كان المرسم قبلتي.... فهذا قدري الجلجامشي، ففي الأيام الأخيرة قضيت ساعات وساعات لم أخط غير الخربشات، وشرب القهوة، و كنت أفرش وأنام، أحيانا، بفعل واعز واحد لا غير: تأدية مناسك المرسم .

   الحياة في " سفار لامون " تبدع نواميسها كل حين، خارطة يومها تتجاوز إطار  الساعة اليومية، فمن الواقعي جدا أن أعثر على مخدور يغط بنوم عميق، في وضح النهار، على عتبة داري وبجوار إبرة هيرويين، أو سكير، في آخر الليل، يتشبث بشباكي ليسند طوله، أو جارنا اللواطي ينام عاريا ويهمل الستائر مفتوحة. وإذا رغب أحدهم زيارة صديق أو صديقة، وفي أي ساعة من النهار أو الليل، فهو لايطرق بابه بل يقف عند شباكه ويناديه بأعلى صوته، ليفتح له الباب أو يناقشه بأمر ما.       

    بين المدينة والبحر والمرسم، في نهاية شارعنا، على مبعدة خمسين مترا من نافذتي، في مغترق خياراتي ومفصل تأويلها، يقع بار متواضع أرتاده وأنعم فيه باحساس لايمت لوجود آخر أعرفه بصلة. بحرية أخرى، ليس حريتي، بل حريتهم التي تغمرني وتبدد عاداتي وتهب الوقت ملمسا جديدا. لاأعرف أحداً فيه، كما أني أتلقى نظرات ثملة وكسولة تخترقني وتتابعني في دخولي حتى جلوسي على مقعدي المفضل بجوار النافذة. عبر إطارها الأحمر تستعرض بناية كونكريتية ضخمة - بناها الألمان أبان الحرب مصنعا للغواصات – وجودها الرمادي الخشن. حاولت البلدية تلطيف كيانها ، ففتحت فيها نوافذ فضحت عمقها المخيف.

 يهطل الثلج بلا معنى فوق سطوح أشياء مستسلمة ومهيئة لإستقباله؛ الأشجار العارية، الشارع، العشب المتجمد، رؤوس المارة وكل مستوي تحت، ويهطل بعضه على روحي أيضا. رشفت قهوتي الحارة لأبدد إحساسا بالصقيع ينتابني. دخلت البار شابة لا تتجاوز الثامنة عشر.. ربما تجوزتها ولم أدرك، مشكلتنا أننا تعلمنا توصيف المرئيات، ففقدنا الإحساس بوجودها الحر، حليقة الشعر كالغلمان في جمجمتها ناتئة العضام عينان زجاجيتان وضاءتان تحيطهما هالتان داكنتان، تدفع أمامها عربة أطفال، في منخريها وحاجبيها وشفتيها مسامير معدنية، ألقت التحية على أصدقائها بأدب جم وبهدوء يشبه الصمت كما لو أنها تنطق وصيتها الأخيرة. الكل أطل بحنو على العربة، يتأمل المخلوق فيها. أخرجته مقمطا بطول ذراعها وأسندته على صدرها. صدر منه ما يشبه الصوت؛ صوت من تحت الماء، ثغاء يأتي من سهول بعيدة في الأقاصي. رضيع ضئيل الحجم، بدون ذاكرة يتشبث بالهواء ويلغي العالم من حوله. بعضهم مسه مسا خفيفا وربت عليه كما لو كان قديسا تُستجدى بركاته. تطاول ثغاؤه وتململ مثل دودة مقمطة، فألقاني خارج المكان عبر النافذة؛ كان يقابلني كلب مرقط يبدو عليه الدلال سمّر عينيه على الباب، منتصب القامة، فكانت فرصة لأرسمه، وضعت أول خطوطي. مر بجانبه كلب أسود قميئ، تأمله مليا ثم أقترب وشمشم مؤخرته فأضطرب المرقط وأخذ يدور حول نفسه. تراجع الأسود ووقف يتمعن بالمرقط يختبر دوافعه. قعد المرقط على مؤخرته متوجسا، وغيّر هيئته ومزاجه .... لا رسم مع الكلاب ! فعدت بعينيي الى الداخل. كان كل شيئ قد غير سحنته وأمسى أكثر عتمة. أفرغت فنجان القهوة في جوفي ففرغت من كسلي وغادرت الى المرسم .. هناك سأمتلئ بما لا أتوقع. في الطريق قرأت لنفسي مقطع لروبرت فروست:

  " ثمة طريقان مفترقان في الغابة الصفراء،

   ويالأسفي، فليس في وسعي أن أطرقهما معاً.

   وقفت طويلا، لأقطع أحدهما

   غير مبالٍ، قدر ما أستطيع،

   لأي مكان تنعطف خلل الحشائش؛

   وبعد ذاك، سلكت الأخرى؛ المناسبة تماماَ.

   ولربما كان هذا هو الأفضل

   لأنها كانت معشبة وذات حُلَةٍ بهيّة...

   .....

   ثمة طريقان مفترقان في غابة، وأنا،

   أنا مَنْ سلك غيرَ المطروقة منهما،

   وقد كان ذلك هو الإختلاف بأسره."

                                               

 

الخامس والعشرين من نوفمبر 07